كان ضوء المساء الذهبي الصحراوي ينسكب كشلالٍ ساخن عبر الواجهات الزجاجية لبرج حي الملك عبدالله المالي، يرتد عن الكروم المصقول والرخام الأبيض البارد فيردّه إلى قلوب الحاضرين كحريقٍ صامت. في الأتريوم الشاسع، ارتفعت أصوات الضحك السياسي المنخفض تحت نغمات العود الثقيلة التي كانت تتسلل من مكبرات الصوت المخفية، مختلطةً ببخار الإسبريسو المعطر بالهيل الذي ينفث من فناجين الفضة. الوزراء والمستثمرون في رؤية ٢٠٣٠ يتحركون كقطع شطرنجٍ لامعة، يبتسمون للكاميرات ويهمسون بالصفقات، بينما يرتفع البرج حولهم كإعلانٍ عن طموحٍ لا يرحم.
وقف يزيد المطلق عند حافة المنصة الزجاجية، يده اليمنى ممسكة بكأسٍ من الماء المثلج لم يذق منه شيئاً. كان وجهه هادئاً كجدارٍ خرساني، لكن عينيه السوداوين تتحركان ككاميرا مراقبة. يرى كل شيء: الابتسامات المزيفة، المصافحات التي تدوم ثانيةً أطول مما ينبغي، والرجل الذي يقف على الجانب الآخر من الأتريوم كأنه يملك الهواء نفسه.
فيصل الدوسري.
كان فيصل الدوسري يميل إلى مجموعةٍ من المستثمرين الأجانب، يده اليسرى في جيب بنطاله الأسود، واليمنى تمسك فنجان الإسبريسو. ابتسامته واسعة، أسنانه بيضاء كالثليج تحت الأضواء، لكن عينيه لم تبتسما قط. كان يتكلم بهدوء، ويشير بإصبعه إلى الرسوم البيانية المعروضة على الشاشة العملاقة خلفه: أرقامٌ عن التمويل، عن الصكوك، عن "الإمبراطورية الورقية" التي بنتها عائلته على الورق والحبر والعلاقات. يزيد المطلق شعر بالازدراء يزحف في حلقه كطعم المعدن. إمبراطورية ورقية. هكذا سمّاها دائماً في سرّه. لا طوب، لا خرسانة، لا دمٌ يُسفك على المواقع. مجرد أرقامٍ تُحرّك وتُباع.
أعلن المقدم عن بدء جلسة الأسئلة والأجوبة. تقدّم الصحفيون والوزراء إلى الميكروفونات. كان السؤال الأول عن "مشروع أفق الرياض"، ذلك العطاء الضخم الذي سيقرر من يملك الأفق نفسه: هل سيُبنى بالحديد والاسمنت الذي تملكه عائلة المطلق، أم بالتمويل الذكي الذي يتقنه الدوسريون؟
رفع فيصل الدوسري يده أولاً، صوته ناعمٌ كحريرٍ أسود:
— المشروع يحتاج إلى سيولةٍ مرنة، وإلى شراكاتٍ دولية لا تُقيَّد بالطوب. نحن نقدم الرؤية، لا مجرد الجدران.
ضحك خفيف من بعض الحضور. شعر يزيد المطلق بحرارةٍ ترتفع تحت ياقته. تقدّم خطوةً نحو الميكروفون المجاور، صوته باردٌ كالصقيع الذي يغطي الصحراء ليلاً:
— الرؤية بلا جدران تسقط مع أول عاصفة رمل. إمبراطورية الورق تنهار حين تهبّ الريح الحقيقية. نحن نبني ما يبقى، لا ما يُطبع على ورقٍ يُمزّق.
التفتت العيون كلها. ابتسم فيصل الدوسري تلك الابتسامة التي لا تصل إلى عينيه، ومشى ببطءٍ نحو يزيد المطلق حتى صار على بعد ذراعٍ واحدة. اقترب أكثر، متعمداً، حتى كاد كتفاه يلامسان. همس، بصوتٍ لا يسمعه إلا يزيد المطلق:
— الأرقام المغلقة في العطاء... أعرف أين تسربت. أعرف من باعها. وإذا فتحت فمي الآن أمام هؤلاء الوزراء، ستسقط سمعتك وسمعة فهد المطلق كبرجٍ بلا أساسات.
شعر يزيد المطلق بنبضه يقفز في معصمه حين لامست أزرار كمّ فيصل الدوسري الجلد الرقيق هناك. صدمةٌ كهربائية صغيرة، سخنة، غير متوقعة. حاول أن يتراجع، لكن جسده رفض. قال بصوتٍ منخفض، خاص، يهتزّ قليلاً رغم إرادته:
— جرّب. وسأريك كيف تنهار إمبراطوريتك الورقية أمام الكاميرات. لن يبقى لك إلا الدين والعار.
ابتسامة فيصل الدوسري اتسعت، لكن عينيه احمرّتا قليلاً من الغضب المكتوم. تنفّس بعمق، ورائحة الهيل والعود امتزجت بأنفاسه. همس مجدداً:
— أنت تخاف من الحقيقة أكثر مما تخاف مني. وهذا ما سأهدمه الليلة.
انفضّ الجمهور تدريجياً بعد انتهاء الجلسة. الوزراء يغادرون بسياراتهم السوداء، المستثمرون يتبادلون البطاقات، والكاميرات تنطفئ. بقي الأتريوم فارغاً تقريباً، إلا من بقايا الضحكات والموسيقى الخافتة. صعد يزيد المطلق المصعد الزجاجي إلى الطابق العلوي، حيث قاعة الاجتماعات الجديدة التي لم تُستخدم بعد. كان يريد أن يهرب من الوجوه، أن يرتب أفكاره قبل أن ينفجر. لكن الباب انفتح خلفه، ودخل فيصل الدوسري دون استئذان.
أغلقت الباب بصوتٍ ناعم. رائحة الجلد الجديد تملأ الغرفة، مع نسمة المكيف الباردة التي كانت تهبّ من السقف. الطاولة الطويلة اللامعة تعكس ضوء المدينة المتلألئ في الأسفل. وقف الرجلان متقابلين، المسافة بينهما أقل من مترين.
قال يزيد المطلق، صوته الآن أعلى، أخشن:
— اخرج. لا أريد أن أرى وجهك بعد الآن.
ابتسم فيصل الدوسري، واقترب خطوة:
— أنت من اقتحم مساحتي أمام الجميع. أنت من أراد أن يجبرني على التراجع. والآن تريدني أن أهرب؟ لا. سننهي هذا هنا.
تقدم يزيد المطلق فجأة، يده تمتد لتدفع صدر فيصل الدوسري. كانت الدفعة قوية، شبه عنيفة، حتى ارتطم ظهر فيصل الدوسري بحافة الطاولة. صوتٌ مكتوم من الخشب الجديد. لكن بدلاً من أن يردّ باللكمة المتوقعة، تجمّد الاثنان. يد يزيد المطلق بقيت على صدر فيصل الدوسري، فوق القماش الغالي، تشعر بدقات قلبه السريعة. ويد فيصل الدوسري ارتفعت تلقائياً وأمسكت بمعصم يزيد المطلق، حيث كان الزر المعدني قد خدش الجلد قبل دقائق.
سكونٌ مشحون. الهواء بين وجهيهما ساخن رغم برودة المكيف. شعر يزيد المطلق بنبضه يقفز بعنف حين لامست أصابع فيصل الدوسري معصمه، كأن الكهرباء عادت أقوى. وتنفّس فيصل الدوسري بصعوبة، كأن صوته الخاص ليزيد المطلق — ذلك الصوت المنخفض الخاص — قد سرق الهواء من رئتيه. عينا يزيد المطلق سوداوان كليلٍ بلا قمر، وعينا فيصل الدوسري تلمعان بشيءٍ لا يريدان تسميته.
همس يزيد المطلق، صوته ينخفض إلى ذلك السجل الخاص الذي يجعل صدر فيصل الدوسري يضيق:
— لو كشفت أي شيء عن العطاء... سأحرق كل ورقةٍ تملكها.
أجاب فيصل الدوسري بنفس الهمس، أنفاسه تلامس تقريباً شفتي يزيد المطلق:
— وأنت لو بنيت برجاً واحداً فوق فضيحة... سأهدم سمعتك حجراً حجراً. لكنك تعرف أن هذا ليس كل شيء.
بقيت الأيدي لحظةً أطول مما ينبغي. ثانية. ثانيتين. ثلاث. الحرارة تنتقل من جلدٍ إلى جلد، من نبضٍ إلى نبض. كلاهما يشعر بالصدمة نفسها: هذه الرغبة المحرقة التي ترفض الاسم، هذا الجوع المتساوي الذي يختبئ تحت كل إهانة. لم يتحرك أحدهما ليبتعد، ولم يقترب أكثر. فقط السكون المشحون، والطاولة الباردة خلف ظهر فيصل الدوسري، والمدينة تلمع كجمرٍ تحت الزجاج.
ثم، في لحظةٍ واحدة، سحب يزيد المطلق يده كأن النار لسعتها. وسحب فيصل الدوسري أصابعه من المعصم. تنفّسا معاً، كأنهما استيقظا من حلمٍ أسود.
لم يكمل أحدهما الجملة. لم يقل أحدهما "هذا لن يحدث مجدداً". بدلاً من ذلك، أدار يزيد المطلق ظهره ومشى نحو الباب الزجاجي. تبعه فيصل الدوسري بعد خطوةٍ واحدة فقط، دون كلمة. خرجا معاً إلى الممر الفارغ، ثم انفصلا عند المصاعد: يزيد المطلق إلى اليمين، فيصل الدوسري إلى اليسار.
لكن كلاهما عرف، في تلك اللحظة الصامتة، أن الجهد الكهربائي غير المكتمل سيطالب بلقاءٍ آخر. أن الرائحة المختلطة بالهيل والجلد الجديد ستعود. أن الأيدي التي تلامست ثانيةً أطول مما ينبغي لن تنسى الحرارة. وأن "أفق الرياض" لن يكون مجرد عطاءٍ فاسد... بل سيكون الحبل الذي يربطهما حتى يحترق الاثنان.
في الأسفل، كان ضوء المساء الذهبي قد تحوّل إلى ليلٍ أزرق، والأود ما زال يعزف نغماته المنخفضة كأن شيئاً لم يحدث. لكن شيئاً حدث. شيءٌ لن يُمحى.