الليل سقط على فيلا العليا كغطاءٍ ثقيلٍ من المخمل الأسود. الجدران العالية التي تحيط بالعقار في حي العليا كانت تبتلع أصوات المدينة، فلا يصل إلى الداخل إلا همسٌ بعيد لزحام الرياض الليلي، همهمة السيارات على طريق الملك فهد، وأضواء الأبراج البعيدة ترتجف على سطح المسبح اللامتناهي كنجومٍ غارقة. يزيد الحربي أدخل سامي العتيبي من الباب الجانبي بعد منتصف الليل بقليل، اليد المضمّدة بالغترة البيضاء لا تزال تنزف خيطاً رفيعاً من الألم، والدم الجاف يلتصق بجلده تحت القماش. لم يتكلما في السيارة. لم يتكلما وهما يعبران الحديقة الصامتة حيث أشجار النخيل تقف كحراسٍ صامتين. الباب انغلق خلفهما بصوتٍ مكتوم، والستائر الثقيلة أُسدلت على النوافذ الزجاجية، فصار البيت قبراً مضيئاً بالرخام البارد والروائح المختلطة: العنبر الذي يحترق في المباخر النحاسية، والعرق الذي التصق بجلدهما منذ لحظة السقوط في المجلس، ورائحة الدم التي لا تُغسل بسهولة.
سامي العتيبي خلع حذاءه على الرخام الأبيض البارد، فشعر ببرودته تتسلل إلى قدميه العاريتين كصدمةٍ أولى. الغرفة الواسعة كانت مظلمة إلا من ضوء المسبح الذي ينعكس من الخارج، فيرسم خطوطاً زرقاء على الجدران. يزيد الحربي وقف أمامه، الغترة الدامية لا تزال ملفوفة حول كفه، والثوب الأبيض ممزق عند الكم. قال بصوتٍ خشنٍ مليءٍ بالغضب الذي كان يخفيه طوال الطريق:
—جئتَ معي لأنك خائف. خائف من الكاميرا، خائف من الطرف الثالث، خائف من أن يُفضح ما حدث تحت الثريا. لكنك هنا الآن. في بيتي. لماذا؟
سامي العتيبي ضحك ضحكةً قصيرةً مكسورة، ثم اقترب خطوة. رائحة العنبر والعرق امتزجتا في الهواء بينهما. رد بصوتٍ أجشّ:
—جئتُ لأن يدك لا تزال تنزف بسببي. ولأنني لا أستطيع أن أتركك وحدك مع هذا الجرح... ولا مع ما قالته عيناك في المجلس. أنت تكرهني، يا يزيد الحربي. وتريدني في اللحظة نفسها. وأنا... أنا أسوأ. أنا أكره أن أحتاجك بهذا الشكل.
الحجة اشتعلت فوراً. يزيد الحربي رفع يده السليمة، أشار إلى الجرح:
—دفعتني أنت أولاً. حميتني. ثم لففتَ جرحي بغترتك. والآن تدّعي أنك تكرهني؟ الكاميرا صوّرتنا. أحدهم يملك اللقطات. لو خرجت... سينتهي كل شيء. عائلتي. أمك. العقد. الزواج القسري الذي ينتظرني. وأنت تقف هنا وتقول إنك تحتاجني؟
سامي العتيبي تقدم أكثر، حتى صارت أنفاسهما تختلط. الرخام تحت قدميهما بارد، لكن الحرارة تتصاعد من جسديهما. همس:
—لأنني لا أستطيع أن أراك تسقط أمام أحدٍ غيري. ولأن تلك اللمسة تحت الطاولة... وذلك الثقل حين سقطنا معاً... يقتلني. أكرهك لأنك جعلت الحرب الشخصية أكثر من أي عقدٍ ملكي. وأكره نفسي لأنني أريد أن ألمسك الآن. هنا. قبل أن يكتشفنا أحد.
الصمت امتد ثانيةً واحدة فقط. ثم انهار كل شيء. يزيد الحربي مدّ يده السليمة، أمسك بمعصم سامي العتيبي بقوةٍ تترك علامات. الأصابع ضغطت على العظم، والدم تحت الضمادة ارتجف. سامي العتيبي لم يقاوم. سحب يزيد الحربي نحوه، فاصطدما بالجدار البارد. الفم وجد العنق أولاً. شفاه يزيد الحربي التصقت بجلد سامي العتيبي حيث ينبض الوريد، تذوق الملح والعرق والعنبر. سامي العتيبي أصدر صوتاً مكتوماً، يداه أمسكتا بمعصمي يزيد الحربي، تثبتانهما فوق رأسه ضد الجدار. الأجساد التصقت. الثياب البيضاء صارت حاجزاً رقيقاً لا يكفي. الحرارة انتقلت من صدرٍ إلى صدر، من فخذٍ إلى فخذ. المسبح في الخارج يلمع، والريح تحمل همهمة الزحام البعيد، لكن داخل الغرفة لم يكن هناك إلا أنفاسٌ متسارعة، وملمس الجلد تحت الأصابع، والرغبة التي تلتف حولهما كسلسلةٍ حديدية.
يزيد الحربي همس في أذن سامي العتيبي، صوته مكسورٌ من الألم والشهوة:
—لو رأونا... لو عرفوا... سيحرقوننا. لكنني لا أستطيع التوقف. يدك على جرحي... أصابعك... أريدها أكثر.
سامي العتيبي أدار رأسه، فمُه وجد عنق يزيد الحربي. الأسنان ضغطت بلطفٍ ثم بقوةٍ أكبر، تاركةً علامةً حمراء تحت الغترة المائلة. يداه انتقلتا من المعصمين إلى الكتفين، تشدان الجسد أقرب. قال بين الأنفاس:
—نصمت. كما اتفقنا. لكن الليلة... الليلة ملكنا. لا كاميرات هنا. لا رعاة. لا آباء. فقط أنت وأنا وهذا الجحيم.
سقطا معاً على الأريكة الجلدية الواسعة قرب النافذة المغطاة. الرخام بارد تحت أقدامهما العارية حين نهضا لحظةً ليغلقا الباب الداخلي بمفتاحٍ حديدي. الستائر أُسدلت بإحكام. الضوء الوحيد جاء من المسبح، أزرقٌ خافت يرسم ظلالاً على الأجساد المتشابكة. الأيدي تشبثت بالمعصمين مرةً أخرى، تثبت وتتحرر ثم تثبت. الأفواه تجولت على الأعناق، على الترقوة، على الجلد الذي يرتجف تحت اللمس. العرق سال. رائحة العنبر امتزجت برائحة الجسد الحارة. لم يكن هناك كلامٌ كثير بعد ذلك. فقط أصواتٌ مكتومة، وأنفاسٌ تتصاعد، وأجسادٌ تضغط بقوةٍ كأنها تحاول أن تندمج أو تتحطم. الرغبة كانت مهووسة، مظلمة، ترفض أن تُسمى. كل قبضةٍ على المعصم كانت اعترافاً. كل فمٍ على العنق كان قسَماً. الوقت توقف. المدينة بعيدة. الحرب مؤجلة.
عندما استيقظا، كان الفجر يزحف على الأفق خلف الستائر. الضوء الرمادي يتسلل خيوطاً رفيعة. سامي العتيبي فتح عينيه أولاً. جسده لا يزال متشابكاً مع جسد يزيد الحربي. ذراعٌ ثقيلة على خصره، ساقٌ ملقاة على ساقه، والأنفاس الهادئة ليزيد الحربي تدفئ رقبته. الكف المضمّدة ملقاة على صدره، الدم الجاف يلطخ الجلد. قلب سامي العتيبي تسارع فجأة. الواقع عاد كصفعة. أمّه المريضة. الديون. العقد. الكاميرا في المجلس. والآن... هذا. الليلة التي شعر فيها بالخلاص صارت قنبلةً موقوتة.
تحرك ببطء. فصل جسده عن الجسد الآخر. يزيد الحربي تململ لكنه لم يستيقظ تماماً. سامي العتيبي وقف على الرخام البارد، ارتدى ثوبه بسرعةٍ مرتجفة، ربط الغترة النظيفة على رأسه. نظر إلى الرجل النائم مرةً أخيرة: الوجه الذي كان يكرهه، الشفاه التي لا تزال تحمل أثر فمه، الجرح الذي لفّه بنفسه. ثم خرج. الباب الجانبي انفتح على الحديقة الهادئة. الهواء البارد صفع وجهه. صعد إلى سيارته المنتظرة خلف الجدار العالي، قلبه يدق كطبل حرب. لم ينظر خلفه. القيادة عبر شوارع العليا الفارغة في الفجر كانت كالهروب من جريمةٍ لذيذة.
الساعات التالية مرّت ككابوسٍ سريع. بحلول التاسعة صباحاً، انفجرت المنصات. فيديو مجهول المصدر، مدته ثمانٍ وثلاثون ثانية فقط، التقط من زاويةٍ بعيدة عند بوابة الفيلا. يظهر فيه سامي العتيبي يخرج أولاً، ثم يزيد الحربي خلفه، اليد المضمّدة لا تزال ظاهرة، ويدا يزيد الحربي ترتاح لثانيةٍ طويلة على أسفل ظهر سامي العتيبي قبل أن تنفصل. الإضاءة الخافتة، الثياب المجعدة، التوقيت الفجري. التعليقات انهالت كالمطر الأسود: «فضيحة الورثة»، «تهديد لسمعة صندوق الاستثمارات»، «هل هذا ما يفعله أبناء رؤية ٢٠٣٠ خلف الجدران؟»، «العقد الملكي في خطر»، «عار على العائلتين». الهاشتاقات صعدت. الحسابات المجهولة أعادت النشر آلاف المرات. الصور الثابتة من الفيديو صارت خلفيات. يد يزيد الحربي على ظهر سامي العتيبي صارت أيقونةً للفضيحة.
يزيد الحربي استيقظ على رنين هاتفه المتواصل. الغرفة لا تزال تحمل رائحة العرق والعنبر. الجرح ينبض. فتح الشاشة، فرأى الفيديو أولاً. الدم جمد في عروقه. ثم الرسائل. من المساعدين. من المحامين. من والده. سامي العتيبي في الجهة الأخرى من المدينة كان يحدق في الشاشة نفسها داخل سيارته المتوقفة. اليد على الظهر. اللحظة التي شعر فيها بالأمان صارت دليلاً. الهواتف رنّت. المجموعتان أعلنتا فريقي أزمات فوراً. بياناتٌ تُعد: «لقاء عمل طارئ»، «إصابة سابقة»، «لا أساس للشائعات». لكن الضرر انتشر أسرع من أي بيان.
الرسائل المشفرة بدأت بينهما خلال دقائق. سامي العتيبي كتب أولاً، أصابعه ترتجف على الشاشة:
«لا ترد علناً. أنكر كل شيء. اللقاء كان للحديث عن التهديد المشترك فقط. الجرح من الحادث. لا أكثر.»
يزيد الحربي رد بعد دقيقة، وهو يضغط على الضمادة:
«أنكر. لكنهم يملكون الزاوية. اليد... اللعنة. أبي يطلب اجتماعاً الآن. صوته جليد. ماذا نفعل؟»
سامي العتيبي حدق في الصورة الثابتة المرفقة في كل تغريدة: يد يزيد الحربي على أسفل ظهره، الأصابع منقبضة قليلاً كأنها لا تريد أن تفلت. الجوع الذي أحسه الليلة الماضية عاد أقوى، لكنه الآن صار حبلاً يلتف حول رقبته. كتب:
«نصمت كما اتفقنا. نكمل. لكن هذا... هذا صار فخاً. أحدهم ينتظر سقوطنا معاً.»
يزيد الحربي أرسل:
«أريد أن أراك. الآن. لا. لا أستطيع. أبي ينتظر. قل لي إنك بخير.»
سامي العتيبي لم يرد فوراً. جلس في السيارة، الشمس ترتفع فوق الرياض، والأبراج تلمع كأنها تضحك. الفيديو يعيد نفسه في رأسه. الليلة التي شعر فيها أنه وجد خلاصاً خاصاً صارت سلاحاً عاماً. العائلتان تتحركان. المحامون. الإعلام. الراعي ربما يراقب. والطرف الثالث يبتسم في الظل.
ثم رنّ هاتف يزيد الحربي. الاسم على الشاشة: والده. الصوت حين أجاب كان بارداً كصحراءٍ في ليلةٍ بلا نجوم:
—تعال فوراً. لا تأخير. ولا كلمة واحدة لأحدٍ قبل أن أراك. هذا الفيديو... سيحرقنا إن لم نطفه بأيدينا.
يزيد الحربي أغلق الخط، نظر إلى كفه المضمّدة، ثم إلى الرسائل. في الجهة الأخرى، سامي العتيبي رفع هاتفه مرةً أخيرة، حدق في الصورة الفيروسية: يد يزيد الحربي على ظهره، اللمسة التي كانت خلاصاً صارت مشنقة. القلب يدق. الجوع لا يزال حياً تحت الرعب. عرف في تلك اللحظة أن اللهيب الذي أشعلوه في الفيلا لن ينطفئ بالإنكار. صار حبلاً أحمر يلتف حول رقبتيهما معاً، وكل نفسٍ يسحبانه يجعله أضيق. الحرب لم تعد على العقد فقط. صارت على البقاء... وعلى الرجل الذي لا يستطيع أن يعيش بدونه، حتى لو دمره.