في صباح اليوم التالي، حينما كانت شمس الرياض تضرب واجهات القصور الحجرية بضياءٍ حارقٍ لا يرحم، استُدعيا كلاهما إلى ملحقٍ خاصٍ في أحد قصور الضيافة الملكية شرق العاصمة. الممر الطويل الذي سارا فيه كان مبطناً بسجادٍ أحمر قانٍ يبتلع خطواتهما، والجدران مزخرفة بنقوش جصية قديمة تتمايل عليها ظلال المصابيح النحاسية. رائحة البخور الثقيلة—مزيجٌ من العود والمسك—كانت تملأ الهواء المكيّف البارد، فتتصادم مع الحرّ الذي ينزف من النوافذ المغلقة، ومع ذرات الغبار الصحراوي التي علقت بأحذية يزيد الحربي وسامي العتيبي من الطريق الخارجي. لم يتكلما طوال الطريق. الكتفان يتلامسان أحياناً دون قصد، فيرتجف الجسدان معاً كأن اللمسة نفسها جمرةٌ جديدة.
المجلس الخاص كان غرفةً مستطيلةً واسعة، أرضيتها مغطاة ببسطٍ حمراء عميقة اللون كدمٍ جاف، والمساند المنخفضة مصفوفة على شكل هلالٍ حول دلال النحاس اللامعة. في الوسط، جلس الراعي بهدوءٍ ملكيّ، ثوبه الأبيض ناصعٌ وبشته الأسود ملقى على كتفه، عيناه الهادئتان تمسحانهما كأنهما قطعتان من معدنٍ ثمين يقيّمهما. لم يسمِّ أحداً، ولم يبتسم. أشار بيده فقط إلى المساند المتجاورة. يزيد الحربي جلس أولاً، ساقيه مطويتين، والغترة البيضاء على رأسه لا تزال تحمل رائحة عطر الليلة الماضية. سامي العتيبي تبعه، فصارا على بعد شبرين فقط، ركباهما تكادان تلامسان تحت الطاولة الخشبية المنخفضة. الفناجين الصغيرة كانت تنتظر، والتمر اللزج يتلألأ في أطباق فضة، ودخان البخور يلتف حولهما كأفعى شفافة.
صبّ الخادم القهوة من الدلة النحاسية، فامتلأ المجلس بصوت السكب الخافت ورائحة الهيل القوية التي تخترق الأنف. الراعي رفع فنجانه ببطء، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ لا يحتمل الجدال:
—المشروع الملكي لا يحتمل فضائحكم العلنية. الليلة الماضية... كانت مهزلة. إما أن تتوصلا إلى تفاهمٍ صامت، أو أسلّم العقد لطرفٍ ثالث. اجلسا. تكلما. أمامي.
الصمت امتد لثوانٍ ثقيلة. يزيد الحربي شعر بعرقٍ باردٍ يسيل تحت ثوبه رغم برودة المكيّف. نظر إلى سامي العتيبي من طرف عينه، فرأى النبض نفسه يرقص في عنق الرجل، والشفاه التي كادت تلامسه الليلة الماضية مزمومة الآن. الكره كان هناك، حاراً وواضحاً، لكن تحته شيءٌ أسود يلتف حول أحشائه. رفع فنجانه، رشف القهوة المرة، ثم قال بصوتٍ خشنٍ كرمل الصحراء:
—أبي أعطاني إنذاراً أخيراً. إما أن أفوز بهذا العقد، أو أتزوج من ابنة أحد الحلفاء القدامى قبل نهاية الشهر. زواجٌ سياسيّ يربط العائلتين، ويُنهي أي كلامٍ عن ضعفي. قال لي: «الوريث الذي يخسر يُباع». أنا... أكره هذا. أكره أن أُباع كقطعة أثاث. لكنك، يا سامي العتيبي، جعلت الأمر أسوأ باتهاماتك. لو سقطتُ، ستسقط عائلتي كلها مع الرشاوى القديمة التي تعرفها.
الكلمات خرجت كسلاحٍ، لكنها كانت أيضاً اعترافاً مكسوراً. يداه ارتجفتا قليلاً حول الفنجان، وعيناه ثبتتا على وجه سامي العتيبي كمن ينتظر الطعنة. سامي العتيبي شعر بحرارةٍ ترتفع في صدره. الاعتراف هذا... كان دعوةً مقنّعة. رفع التمرة اللزجة إلى فمه، مضغها ببطء، والسكر يختلط بطعم القهوة المرّ، ثم رد بصوتٍ أجشّ مليءٍ بالسخرية والألم معاً:
—وأنت تظن أنني أفضل حالاً؟ مجموعتنا غارقةٌ في ديونٍ صامتة. بنوكٌ تنتظر إشارةً واحدة لتبتلعنا. وأمي... أمي مريضة منذ أشهر، في جناحٍ خاصّ لا يعرف به أحد. كل ليلة أتصل بها وأكذب عليها بأن الأمور بخير. أخاف أن أراها تنهار لو عرفَت أن ابنها فشل. أخاف أن أخيّب أملها أكثر مما خيّب أبي حياته. أنت تتهمني بالتزوير، يا يزيد الحربي، لكنك تعلم أنني أحتاج هذا العقد كي أبقى واقفاً. كي لا أدفنها وأنا مفلس.
الاعترافان تعلقا في الهواء كدخان البخور. الراعي راقب بصمت، عيناه لا ترمشان. يزيد الحربي شعر بشيءٍ ينكسر داخله. الغضب الذي اعتاده تجاه سامي العتيبي اختلط الآن برغبةٍ مجنونة في لمس الوجه المقابل، في محو تلك الظلال تحت العينين الرماديتين. مدّ يده دون وعي، فكادت أصابعه تلامس كأس سامي العتيبي. سحبها بسرعة، لكن الحرارة بقيت. قال بصوتٍ منخفضٍ لا يكاد يُسمع:
—إذن نحن الاثنان محاصَران. أنت بدينك وأمك، وأنا بزواجٍ قسريّ وفضيحةٍ قديمة. والليلة الماضية... تلك الرسالة. أحدهم يعرف.
سامي العتيبي ابتسم ابتسامةً مكسورة، مليئةً بالجوع نفسه الذي أحسّه تحت أبراج كيه إيه إف دي. اقترب قليلاً، حتى صارت ركبتاهما تتلامسان فعلاً تحت الطاولة. اللمس كان خفيفاً، لكنه أحرق كجمر. همس:
—يعرف، ويهدد. لكنك لم تستطع الابتعاد عني هناك. وأنا لم أدفعك. هذا الهوس... يقتلني. يقتلنا. وأنا أكرهك أكثر لأنني أريده.
الراعي رفع يده مرةً واحدة، فأوقفهما. صوته بقي هادئاً كصحراءٍ قبل العاصفة:
—كفى. اتفقا على صمتٍ مشترك حتى إعلان القائمة النهائية. لا فضائح، لا اتهامات علنية. من يخالف... يُستبعد.
ثم، كأن السماء نفسها رفضت الهدنة، حدث الشيء. من السقف العالي، حيث كانت ثريا نحاسية ضخمة معلّقة بسلاسل قديمة، انفلت فجأةً أحد الأذرع المعدنية. صوتٌ حادّ كالصفير، ثم سقوطٌ مفاجئ. يزيد الحربي رأى اللمعان أولاً—قطعةٌ ثقيلة من النحاس والزجاج تهوي مباشرةً نحو رأس سامي العتيبي. لم يفكر. جسده تحرك وحده. دفع سامي العتيبي بقوةٍ وحشية إلى الجانب، فسقطا معاً على البساط الأحمر. الثريا تحطمت بجانب رأسهما، شظايا الزجاج تتطاير كمطرٍ قاتل، وقطعةٌ حادة شقّت كفّ يزيد الحربي اليمنى حتى العظم. الدم انفجر فوراً، أحمر قانٍ يختلط بلون السجاد.
الألم صعق يزيد الحربي، لكنه بقي فوق سامي العتيبي للحظة، صدره على صدره، أنفاسهما متشابكة. سامي العتيبي شعر بثقل الجسد، بحرارة الدم تسيل على رقبته، وبالنبض المجنون لقلب يزيد الحربي ضد ضلوعه. الحراس اندفعوا من الباب، والراعي نهض بهدوءٍ مخيف، لكن الاثنين لم يتحركا فوراً. يزيد الحربي همس بصوتٍ مكسورٍ من الألم والصدمة:
—اللعنة... هل أنت...؟
سامي العتيبي دفعه برفقٍ، ثم رأى الجرح. الكفّ مفتوحة، اللحم أبيض تحت الدم، والعرق يختلط بكل شيء. دون تفكير، نزع غترته البيضاء من رأسه، ولفّها حول كفّ يزيد الحربي بقوة. أصابعه ضغطت على الجرح ليوقف النزيف، والدم لطّخ القماش فوراً. كانا على ركبتيهما وسط الشظايا، دخان البخور لا يزال يلتف حولهما، والقهوة المسكوبة تلطخ البساط. سامي العتيبي شعر بيد يزيد الحربي ترتجف في قبضته، وشعر بأنفاسه الحارة على خده. قال بصوتٍ منخفضٍ جداً، مليءٍ بالأدرينالين والرغبة التي لا تموت:
—لا تُبلّغ. لا أحد. هذه ليست حادثة. رجالٌ مستأجرون... من الطرف الثالث الذي ذكره الراعي. يريدوننا خارج اللعبة معاً. لو أبلغنا، نُتهم نحن بالفوضى. نصمت. نُكمل. معاً... حتى نعرف من.
يزيد الحربي نظر إلى الغترة الملطخة بالدم، إلى أصابع سامي العتيبي التي لا تزال تضغط على جرحه، فترتعش. الألم كان نارًا، لكن اللمس كان أسوأ. أسوأ وأحلى. أدار كفه قليلاً داخل الضمادة المرتجلة، فلامست أصابعه أصابع سامي العتيبي، وتشبثت بها لثانيةٍ طويلة. الهمس خرج منه كاعترافٍ جديد:
—نصمت. لكنك... حميتني أنت أيضاً. دفعتني أولاً. لماذا؟
سامي العتيبي لم يجب فوراً. رفع عينيه، فوجد نظرة يزيد الحربي مليئةً بكل شيء: الكره، الامتنان، والجوع الأسود الذي يجعلهما يحترقان. أصابعهما بقيتا متشابكتين حول الجرح، الدم يلتصق بجلدهما، والعرق يختلط به. قال أخيراً، صوته أجشّ كرملٍ ساخن:
—لأنني لا أستطيع أن أراك تسقط... بعد. ليس قبل أن أدمرك بنفسي. أو... قبل أن...
لم يُكمل. الراعي اقترب، صوته يقطع الهواء:
—كفى. أخرجا. عولجا خارجاً. ولتبقَ هذه الليلة سراً بيننا. المشروع أكبر من دمائكما.
نهضا ببطء. يزيد الحربي شعر بدوخةٍ خفيفة من فقدان الدم، لكن يد سامي العتيبي بقيت على ذراعه تسنده. غادرا المجلس تحت ابتساماتٍ زائفة، الحراس ينظرون إليهما بريبة، والراعي يراقبهما حتى الباب. في الممر الخارجي، حيث عاد الحرّ يضرب وجوههما رغم المكيّف البعيد، توقف سامي العتيبي فجأة. عيناه التقطتا شيئاً في الزاوية العليا من الجدار—لمعانٌ صغير، كعينٍ زجاجية. كاميرا دقيقة، مخفية خلف نقشٍ جصيّ. قلبه توقف لثانية. أحدهم يملك بالفعل لقطات الهدنة الدامية، أصابعهما المتشابكة حول الجرح، الغترة الملطخة، والهمس الذي لم يكن يجب أن يُسمع.
أدار رأسه نحو يزيد الحربي، الذي كان لا يزال يضغط على كفه الملفوفة. الابتسامة الزائفة على وجه سامي العتيبي ازدادت حدةً، لكنها أخفت رعشةً داخلية. همس وهو يسير بجانبه نحو السيارة المنتظرة:
—انظر. هناك. أحدهم صوّرنا. الليلة الماضية... والآن. الحرب لم تعد بيننا فقط. وهناك من يملك الدليل على أننا... لم نعد أعداءً تماماً.
يزيد الحربي رفع عينيه، فرأى اللمعان نفسه. الدم لا يزال ينزف ببطء تحت الغترة، لكن أصابعه تشبثت أكثر بطرف القماش الذي لفّه سامي العتيبي. الريح الصحراوية حملت رائحة البخور المختلطة بالعرق والدم، وأبراج المدينة تلمع في الأفق كشهودٍ جدد. لم يقل شيئاً، لكن نظرته قالت كل شيء: الكره لا يزال حياً، والرغبة أشدّ، والصمت الهش الذي عقداه للتو قد يكون آخر ما يملكانه قبل أن يبتلعهما الجحيم معاً. وفي تلك اللحظة، تحت سماء الرياض القاسية، عرف كلاهما أن اللهيب لم يعد مجرد منافسة على عقدٍ ملكيّ. صار دماً مشتركاً، وجرحاً يرفض أن يندمل، وهوسًا يلتف حول رقبتيهما كحبلٍ أحمر قانٍ كالبساط الذي سقطا عليه.