تحت سماء الرياض المتلألئة بنجومٍ باهتةٍ خلف وهج الأبراج الزجاجية لمنطقة الملك عبدالله المالية، كانت قاعة الاحتفال الكبرى في أحد أبراج كيه إيه إف دي تنبض بضوءٍ ذهبيٍّ بارد. انعكست ثريات الكريستال العملاقة على أرضيات الرخام الأسود المصقول كأنها بحيرةٌ من ليلٍ مكسور، وامتزج عبير العود الثقيل الذي تفوح به الأثواب البيضاء والبشوت الفاخرة برائحة عوادم السيارات البعيدة التي يحملها نسيم الصحراء الجاف عبر النوافذ العالية. في الخلفية، كانت رباعية أوتار تعزف مقطوعة كلاسيكية هادئة، لكن صوتها امتزج فجأةً بأذان العشاء البعيد القادم من مسجدٍ قريب، كأن السماء نفسها تذكّر الجميع بأن هذه الأرض لا تزال تحمل في طياتها شيئاً مقدساً وسط صخب رؤية ٢٠٣٠.
يزيد الحربي وقف عند حافة المنصة الرئيسية، جسده الطويل مغموراً في ثوبٍ أبيض ناصعٍ مشدودٍ بإتقان تحت بشتٍ أسود مطرزٍ بخيوط ذهبية خفيفة. عيناه الحادتان تمسحان القاعة كصقرٍ يبحث عن فريسته. كان يعرف أن هذه الليلة ليست مجرد حفلٍ لإعلان القائمة القصيرة لمشروع المترو الملكي العملاق؛ إنها ساحة حربٍ مفتوحة بين ورثة الرؤى الاقتصادية. وفي وسط الحشد، رأى سامي العتيبي.
سامي العتيبي كان يقف قرب إحدى الطاولات الزجاجية، مرتدياً بدلةً داكنةً مصممةً بإتقانٍ إيطالي، ساعة رولكس لامعة تلمع على معصمه كلما رفع كأسه. ابتسامته كانت حادةً كشفرة، وعيناه الرماديتان تلمعان بتحدٍّ صامت. يزيد الحربي شعر بشيءٍ غريبٍ يلتوي في صدره—ليس فقط الغضب المألوف من منافسه اللدود، بل نبضةٌ ساخنةٌ غير مرغوبة، كجمرةٍ سقطت فجأةً تحت جلده. نظرته انزلقت دون إرادةٍ إلى عنق سامي العتيبي العاري فوق ياقة القميص الأبيض، حيث نبض شريانٌ خفيف تحت الإضاءة. ابتلع ريقه، ثم دفع الشعور بعيداً بقوة إرادةٍ فولاذية. لا وقت لهذا الهراء. عليه أن يدمر مصداقية عرض سامي العتيبي الليلة، أمام الجميع، قبل أن يصل المشروع إلى أيدي العتيبيين.
تقدم يزيد الحربي نحو الميكروفون دون دعوة. همس أحد المنظمين محتجاً، لكن نظرةً واحدةً من عيني يزيد الحربي أسكته. رفع الميكروفون، وصوته خرج بارداً كفولاذٍ مبرد:
—أيها السادة، قبل أن نكمل هذا الاحتفال الزائف، أود أن أذكّر الجميع بأن الشفافية هي أساس رؤية ٢٠٣٠. عرض شركة العتيبي يحتوي على شهادات سلامةٍ مزورة. وثائق تثبت أن الاختبارات الهيكلية لمشروع الجسور لم تُجرَ أصلاً في المختبرات المعتمدة. هل نسلم مستقبل الرياض ليدٍ تتلاعب بالأرقام؟
سرت همهمةٌ في القاعة. الكؤوس توقفت في الهواء. سامي العتيبي رفع رأسه ببطء، وابتسامته ازدادت حدةً حتى كادت تقطع. لم يتحرك من مكانه في البداية، لكنه شعر بنبضه يطرق في أذنيه كطبل حرب. اللعنة على يزيد الحربي. هذا الرجل يعرف كيف يضرب في العظم. لكن سامي العتيبي لم يكن ليتراجع. وضع كأسه جانباً، وتقدم نحو المنصة بخطواتٍ واثقة، رولكسه تلمع مع كل حركة. عندما وصل إلى أسفل الدرجات، رفع صوته بما يكفي ليسمعه الجميع دون ميكروفون:
—شهادات مزورة؟ يا يزيد الحربي، ربما حان الوقت أن نناقش تأخر مدفوعات المترو الخاصة بمجموعة الحربي. ستة أشهر من التأخير، ومقاولون يهددون بالانسحاب. هل هذا هو النموذج الذي تريدون أن يقتدي به الجيل القادم؟ أم أن الوريث يزيد الحربي يفضل أن يرمي الاتهامات بينما بيته يتصدع من الداخل؟
الضحكات الخافتة انفجرت هنا وهناك. يزيد الحربي نزل من المنصة بسرعة، عيناه مثبتتان على سامي العتيبي. اقترب حتى صار على بعد خطوةٍ واحدة، رائحة عطر سامي العتيبي—مزيجٌ من خشب الصندل والجلد—ضربت أنفه بقوة. شعر بجسده يتوتر بطريقةٍ لا علاقة لها بالغضب وحده. صوته انخفض إلى همسٍ فولاذي لا يسمعه إلا سامي العتيبي:
—اخرج معي. الآن. أو سأجعل هذه القاعة تشهد نهاية عرضك إلى الأبد.
سامي العتيبي لم يتراجع. ابتسامته بقيت، لكن عينيه تضيقتا. قلبه كان يدق بعنفٍ ضد ضلوعه. هذا القرب... هذا الرجل الذي يكرهه منذ سنوات الجامعة، منذ أول صفقةٍ سرقاها أحدهما من الآخر، كان الآن يقف قريباً جداً حتى يشعر بدفء أنفاسه. رفض أن يتحرك للخلف. قال بهدوءٍ قاتل:
—بعدك، يا يزيد الحربي. لن أهرب منك أبداً.
دفع يزيد الحربي بكتفه كتف سامي العتيبي بلطفٍ ظاهري، موجهاً إياه نحو باب الـVIP الجانبي. الحراس ابتعدوا بمجرد إشارةٍ من يد يزيد الحربي. الباب انغلق خلفهما بقفلٍ إلكتروني، وفجأةً صارا وحدهما في الصالة الخاصة المطلة على الأفق المتوهج لأبراج كيه إيه إف دي. الزجاج من الأرض إلى السقف يعكس أضواء المدينة كأنها نيرانٌ بعيدة. الصحراء في الأفق تتنفس ريحاً جافة تحمل بقايا عودٍ من القاعة ورائحة الإطارات المحترقة من الطرق السريعة.
يزيد الحربي استدار فجأة، وأغلق المسافة. صوته ارتفع الآن، حاراً ومرتجفاً بغضبٍ مكبوت:
—كيف تجرؤ؟ شهاداتك مزورة، وأنا أملك الدليل. سأدمرك أمام اللجنة غداً. عائلتك كلها ستغرق في الفضيحة.
سامي العتيبي لم يتحرك. وقف ثابتاً، ظهره يكاد يلامس الزجاج البارد. شعر بنبضه يطرق في عنقه، وعرف أن يزيد الحربي يحدق هناك بالضبط. اللعنة. هذا الشعور... هذه الجاذبية المجنونة التي تشتعل كلما اقتربا. قال بصوتٍ أجش:
—ادمرني إن استطعت، يا يزيد الحربي. لكنك تعلم أن تأخير مدفوعاتكم سيكشف أن عائلتك تغطي على رشاوى قاتلة في عقود سابقة. دمٌ على أيديكم، وأنا أعرف أين دفنتم الأدلة.
كلمات سامي العتيبي كانت كاللدغة. يزيد الحربي تقدم خطوةً أخرى، حتى صارت صدورهما على بعد سنتيمترات. يداه ارتفعتا دون وعي، وأمسكتا بكتفي سامي العتيبي، دافعتين إياه إلى الخلف حتى ارتطم الزجاج. الصوت كان مكتوماً، لكن الاهتزاز انتقل إلى عظامهما. أنفاس يزيد الحربي صارت متسارعة، ورائحة العود من ثوبه اختلطت بعطر سامي العتيبي. عيناه انخفضتا إلى شفتي سامي العتيبي ثم إلى عنقه مرةً أخرى، حيث كان النبض يرقص تحت الجلد. صوته خرج مكسوراً:
—أنت... أنت تدمر كل شيء. كل خطة. كل سيطرة. لماذا لا أستطيع...؟
سامي العتيبي شعر بحرارة يدي يزيد الحربي تخترق قماش بدلته. لم يدفعه بعيداً. بدلاً من ذلك، رفع يديه وأمسك بياقة بشت يزيد الحربي، جاذباً إياه أقرب. كلماته جاءت بين أنفاسٍ متقطعة:
—لأنك مثلي، يا يزيد الحربي. تكرهني وتريدني في الوقت نفسه. هذا الهوس... هذا اللهيب الذي يحرقنا منذ أن رأينا بعضنا أول مرة في اجتماع الرؤية. لا تكذب. نبضك يصرخ مثلي.
الصالة كانت صامتة إلا من صوت تنفسهما المتقطع. الريح الصحراوية صفرت خلف الزجاج، حاملةً صدى الأذان البعيد مختلطاً بآخر نغمات الرباعية من القاعة. يزيد الحربي دفع كتفي سامي العتيبي بقوةٍ أكبر، لكن الدفع تحول إلى شيءٍ آخر—أجسادٌ متلاصقة، حرارةٌ تنتقل عبر الأقمشة. رأسه انخفض، وأنفه كاد يلامس خد سامي العتيبي. شفتاه اقتربتا حتى شعر كلاهما بزفير الآخر الساخن على الجلد. كانت لحظةٌ معلقةٌ على حافة الهاوية: رغبةٌ محرمة، عداءٌ يتحول إلى جوعٍ أسود، وقلبان يدقان بنفس الإيقاع المجنون.
كاد يزيد الحربي أن يطوي المسافة الأخيرة. كاد...
طرقٌ حادٌ على الباب كسر اللحظة كزجاجٍ ينفجر. صوت الحارس جاء مكتوماً من الخارج:
—سيدي يزيد الحربي؟ اللجنة تطلب وجودك فوراً. هناك تحديثٌ على القائمة القصيرة.
تجمد الاثنان. يزيد الحربي انتزع نفسه بعيداً كمن يُحرق. وجهه كان محتقناً، عيناه واسعةٌ بالغضب والرغبة المكبوتة. سامي العتيبي بقي مستنداً إلى الزجاج، صدره يرتفع وينخفض بعنف، شفتاه مفتوحتان قليلاً. فصل بينهما مترٌ واحد فقط، لكن الفراغ امتلأ بكل ما لم يُقل. يزيد الحربي عدّل بشته بيدين مرتجفتين، صوته عاد بارداً لكنه أجش:
—هذا لم ينتهِ. سأدمرك، سامي العتيبي. أمام الجميع.
سامي العتيبي ابتسم ابتسامةً مكسورة، مليئةً بالتحدي والجوع نفسه:
—جرب. لكنك تعرف أنك لن تستطيع الابتعاد. مثلي تماماً.
فتح يزيد الحربي الباب وخرج أولاً، كتفه يصطدم بكتف سامي العتيبي عمداً في الممر الضيق. الحارس ابتعد محرجاً. سامي العتيبي تبعه بعد لحظات، وجهه لا يزال ملتهباً، جسدُه يرتعش من بقايا اللمس. عادا إلى حافة القاعة الرئيسية، حيث الأنظار تتابعهما. الهمسات بدأت: لماذا غابا معاً؟ لماذا يبدوان وكأنهما خرجا من معركة؟
بينما كان سامي العتيبي يمد يده ليأخذ كأساً جديداً من صينية أحد النادلين، اهتز هاتفه في جيب بدلته. أخرجه بسرعة. رسالةٌ مجهولة المصدر، من رقمٍ غير معروف:
«صُوِّر خروجكما من الـVIP. التوتر بينكما واضحٌ أكثر من اللازم. الفيديو جاهز للنشر إن لم تدفنا الأدلة... أو إن لم تختارا جانباً. الحرب العامة الآن مسمومةٌ بالجوع الخاص الذي لا يجرؤ أحدكما على تسميته.»
سامي العتيبي رفع عينيه. عبر القاعة، التقى نظره بنظرة يزيد الحربي. للحظةٍ طويلة، وقفا هكذا—عدوانٍ معلنان، ورثةٌ يتقاتلون على عقدٍ ملكيٍّ يغير مستقبل الرياض، لكن بينهما خيطٌ أسود من الرغبة يلتف حول رقبتيهما كحبل مشنقة. يزيد الحربي أدار وجهه أولاً، لكنه لم يستطع إخفاء احمرار خديه تحت الإضاءة الذهبية. سامي العتيبي أغلق الهاتف، وشعر باللهيب يتصاعد في صدره أقوى من أي وقت مضى. الأبراج الزجاجية تلمع خارج النوافذ كشهودٍ صامتين، والريح تحمل العود والعوادم، والأذان ينتهي بينما الرباعية تعزف من جديد. لكن داخل سامي العتيبي، وداخل يزيد الحربي في الجهة المقابلة، كان شيءٌ آخر قد اشتعل—حربٌ لن تنتهي بالعقود أو الفضيحة، بل بجسدٍ يرفض أن ينسى لمسة الآخر، وقلبٍ يعرف أنه فقد السيطرة إلى الأبد.
في تلك الليلة تحت أبراج كيه إيه إف دي، لم يعد الصراع مجرد منافسةٍ على مشروع رؤية ٢٠٣٠. صار جحيماً خاصاً، حيث كل اتهامٍ يقرّبهما أكثر، وكل نظرةٍ تطيل أمد الجوع الذي يرفضان تسميته. ويزيد الحربي، وهو يقف وسط الحشد محاولاً استعادة قناعه الفولاذي، شعر بأنفاس سامي العتيبي لا تزال عالقةً على جلده، كوعدٍ وتهديدٍ في آنٍ واحد. أما سامي العتيبي، فقد وضع الهاتف في جيبه، وابتسم للمرة الأخيرة تلك الليلة—ابتسامةً تعد بالدمار والمتعة الممنوعة معاً. الحرب بدأت للتو، واللهيب لن ينطفئ.