اندفع ضوء الصباح القاسي كسيفٍ عارٍ عبر الواجهة الزجاجية للمؤتمر في الطابق السابع والأربعين، يغمر الطاولة الطويلة البيضاوية ويقطع الوجوه إلى نصفين: نصفٌ مضيءٌ ببياضٍ يكاد يُعمي، ونصفٌ غارقٌ في ظلٍّ حاد. طريق الملك فهد يمتد تحتهم كشريانٍ فضيٍّ ملتهب، السيارات تبدو نقاطًا سوداء تتحرك بلا صوت، والصحراء البعيدة تبتلع الأفق خلف ناطحات السحاب. الهواء المكيّف ينفخ باردًا من الفتحات المخفية، لكنه عاجزٌ تمامًا عن محو رائحة العرق الخفيفة المتسللة من تحت الأثواب البيضاء المكوّاة، تلك الرائحة المعدنية الحادة التي تختلط برائحة القهوة السعودية الثقيلة والصندل المتبقي من الليلة الماضية. الهواتف على الطاولة تهتز بلا توقف، شاشاتها تضيء بإشعارات حمراء متتالية، كأنها نبضات قلبٍ جماعيٍّ مذعور. وعلى الجدران الثلاثة، شاشات التلفزيون المكتومة تعيد بحلقةٍ لا نهائية اللقطات الحبيبية: المصعد الضيق، الضوء الأحمر الطارئ، ثم لقطات أوضح من جناحٍ في الريتز-كارلتون — الشفاه تلتقي بقوة، الأيدي تمسك بالرقاب والياقات، الظلال تتحرك كأنهما يلتهمان بعضهما.
خالد بن طلال آل سعود جلس في الطرف الأيمن، البشت الأسود ملقى على ظهر الكرسي الجلدي، الأكمام مرفوعة قليلًا، أصابعه الطويلة تمسك بحافة الطاولة حتى ابيضت مفاصله. عيناه السوداوان ثابتتان على الشاشة، لكن داخله كان يحترق. ما زال يتذوق الملح الخفيف على شفتي ياسر، الحرارة التي اندفعت من فمه، الضغط الذي دفعه إلى الجدار المعدني. «لم يحدث»، كرر لنفسه، لكن الجسد يخونه. مقابلَه تمامًا، على الجانب الآخر من الطاولة، جلس ياسر المنصور، الثوب الأبيض مشدودًا على كتفيه العريضين، عيناه الرماديتان تتحركان بين الشاشات والهواتف. رائحة عرقه الخاصة — خشبٌ داكنٌ وشيءٌ حار — وصلت إلى خالد رغم المسافة، فشعر بقشعريرةٍ تسري أسفل عموده الفقري. كلاهما جاء مدعوًّا إلى هذا المجلس الطارئ قبل أن تشرق الشمس تمامًا. لا مستشارين صغار، لا حراس داخل الغرفة. فقط العائلتان: الأمير طلال آل سعود في رأس الطاولة، وجهه منحوتًا من حجرٍ بارد، والشيخ راشد المنصور إلى يمينه، لحيته الرمادية مشذّبة بدقة، عيناه الصغيرتان تلمعان بغضبٍ محسوب.
الأمير طلال رفع يده، فتوقف الهمس. صوته خرج هادئًا كالموت: «الصور خرجت من كاميرات الأمن الخاصة في الريتز-كارلتون. المصعد والجناح. الحسابات المجهولة تنشرها منذ الفجر. الأسهم بدأت تهتز. صندوق الاستثمارات يتصل كل عشر دقائق. خالد بن طلال آل سعود، ستخرج اليوم على الهواء. قناة رسمية. تدين ياسر المنصور. تقول إنه أغواك، هددك، حاول أن يبتز الاسم. تُعلن قطع كل علاقة عملٍ وشخصية. هذا أمر».
خالد شعر بالكلمات كسكينٍ تدور في صدره. ينظر إلى أبيه، ثم يعبر الطاولة إلى ياسر. للحظةٍ واحدةٍ فقط، تقاطعت نظراتهما. في عيني ياسر الرماديتين شيءٌ يستحيل إخفاؤه: «ما زلت أتذوقك». خالد ردّ بالنظرة نفسها، باردةٌ من الخارج، ملتهبةٌ من الداخل: «وأنا أيضًا». ثم أدار وجهه. «سمو الأمير طلال... اللقطات غير واضحة. يمكن إنكارها. يمكن القول إنها مفبركة».
«غير واضحة؟» ضحك الشيخ راشد ضحكةً قصيرةً جافة، وضرب الطاولة براحة يده. «انظر إلى الشاشة الثانية. اللقطة الجديدة من الجناح أوضح. الشفاه، الأيدي، الثياب مبعثرة. الأسهم في شركتي انخفضت ثلاثة بالمئة منذ فتح السوق. إذا لم تُدمر سمعة هذا الأمير أمام الجميع، ياسر المنصور، سأجمّد كل أصولك الشخصية والتجارية خلال ساعة. الحسابات، الأراضي، العقود. ستخرج صفرًا. هذا تهديد، لا نصيحة».
ياسر شعر بحرارةٍ ترتفع في رقبته، العرق يلتصق بالثوب من الداخل رغم الهواء البارد. الهاتف أمامه يهتز مرةً أخرى: إشعار من قسم العلاقات العامة، ثم من البورصة. نظر إلى والده، ثم إلى خالد. الاتهام الذي يُطلب منه يبدو كأنه يقطع جلده هو. أن يقول إن خالد بن طلال آل سعود اعتدى أو ابتز... يعني أن ينكر النار التي التهمتهما في الظلام الأحمر. «الشيخ راشد، الإنكار المشترك أفضل. نخرج معًا، نقول إن الصور مفبركة من منافسين يريدون إسقاط مشروع قلب الرياض. نشتري الوقت حتى يُسحب الفيديو».
«وقت؟» صاح الأمير طلال فجأة، صوته يرتفع لأول مرة. «الوقت انتهى. الناس يتكلمون في المجالس. العرش لا يتحمل فضيحة لواطٍ بين وريثٍ وأحد التجار. خالد بن طلال آل سعود، ستدينه. ستقول إنه استغل لحظة ضعف. ستعلن أن المشروع يستمر بدونه. وإذا رفضت، سأعلن أنا أنك لست ابني».
الصمت سقط كثقلٍ رصاصي. الهواتف استمرت في الاهتزاز، شاشات التلفزيون تعيد اللقطة: خالد يدفع ياسر إلى الجدار، ياسر يمسك بياقة خالد، الرؤوس تميل، الشفاه تلتصق بقوةٍ لا تُخطئ. رائحة العرق صارت أثقل. خالد شعر بفمه يجف، يتذكر طعم ياسر — قهوةٌ وشيءٌ معدني حار. أن يتكلم بهذه الكلمات يعني أن يمزق جزءًا من نفسه. لكنه رفع رأسه، صوته خرج باردًا كالجليد: «ياسر المنصور حاول استغلالي. استخدم المشروع للوصول إلى اسم آل سعود. اللقطات تُظهر ضعفي اللحظي، لكني أرفضه الآن وأبدًا. سأخرج على الهواء في الظهيرة».
الكلمات خرجت، لكنها شعرت كأنها شفراتٌ تقطع لسانه. عبر الطاولة، رأى ياسر يرتجف قليلًا، ثم يتمالك. ياسر ردّ بصوتٍ أجش، اللهجة الخليجية تتسلل: «والأمير خالد بن طلال آل سعود هو من بدأ. هو من مال أولًا. هو من عمق القبلة. أنا رفضت في النهاية. هو من يهدد سمعة عائلتي ليحمي عرشه. سأعلن ذلك، وسأسحب شركتي من المشروع إذا لزم».
كل اتهامٍ كان يطعن في الصدر نفسه. خالد شعر بالألم الجسدي تقريبًا، كأن ياسر يضربه بيده لا بكلماته. ياسر شعر بالشيء ذاته: كل جملةٍ تخرج من فمه كانت تذوق طعم خالد مرةً أخرى، ثم تبصقه كسم. الهواتف اهتزت بقوةٍ جماعية. شاشة كبيرة على الجدار تحولت فجأة إلى بثٍ مباشر من قناة خليجية: «عاجل: حساب مجهول ينشر صورة أوضح...». الصورة ظهرت. ليست حبيبية. واضحةٌ تمامًا. زاويةٌ من كاميرا الجناح في الريتز-كارلتون: وجه خالد بن طلال آل سعود قريبًا جدًا، عيناه مغمضتان نصف إغماضة، شفتاه على شفتي ياسر المنصور، يد ياسر في شعر خالد، الثوب مفتوح عند الصدر قليلًا. لا مجال للإنكار. تحت الصورة، شريط الأخبار الأحمر: «أسهم مجموعة المنصور تنهار... أسهم الشركات المرتبطة بآل سعود في قلب الرياض تهبط سبعة بالمئة في دقائق...».
الأمير طلال وقف فجأة. «انظروا. السوق ينهار الآن. خالد، ستخرج فورًا. ستدين. ستقول إنك ضحية ابتزاز».
الشيخ راشد نهض أيضًا، وجهه أحمر: «ياسر، ستفعل المثل. ستقول إنه استخدم نفوذه الملكي لإجبارك. وإلا أجمّد كل شيء الآن. هاتفي جاهز».
الهواتف بدأت ترن بصوتٍ مسموع رغم الوضع الصامت. مساعدون يطرقون الباب من الخارج. الشاشات تعيد الصورة الجديدة مرارًا. خالد نظر إلى ياسر عبر الطاولة مرةً أخيرة. النظرة حملت كل شيء: «ما زلت أتذوقك. حتى وأنا أدمرك». ياسر ردّها: «وأنا أحترق بك وأنا أطعنك». ثم أدار كلاهما وجهيهما. خالد قال بصوتٍ منخفض لكنه واضح: «سأنفذ الأمر. سأدينه على الهواء. المشروع يستمر باسمي وحدي».
ياسر أجاب فورًا، صوته مكسورٌ من الداخل لكنه حاد من الخارج: «وأنا سأفعل. سأعلن أنه المعتدي. وسأسحب تمويلي إذا لزم. عائلتي أولًا».
الأمير طلال ابتسم ابتسامةً باردة. «جيد. الولاء يُثبت الآن». الشيخ راشد أومأ: «الآن. قبل أن تغلق البورصة على خسارةٍ أكبر».
المجلس انتهى فجأة. الأوامر صدرت. الحراس فتحوا الأبواب. الأميران والشيخان خرجوا أولًا، يتحدثون بهمسٍ سريع عن بياناتٍ صحفية ومكالماتٍ عاجلة. خالد بن طلال آل سعود وياسر المنصور تأخرا لحظة. الغرفة فرغت إلا منهما. الضوء القاسي يغمرهما. رائحة العرق والصندل والحبر القديم من الليلة الماضية ما زالت عالقة. خالد مرّ بجانب ياسر وهو متوجه إلى الباب، كتفه كاد يلامس كتف ياسر. همس بصوتٍ لا يسمعه إلا هما: «اللعنة عليك».
ياسر همس ردًّا، دون أن ينظر: «اللعنة عليّ وعليك».
خرجا إلى الممر الطويل المزجج. أضواء السقف باردة، السجاد يمتص الخطوات. الحراس على مسافة. المساعدون يتهامسون في الزوايا. خالد توقف عند نافذةٍ تطل على طريق الملك فهد، أخرج هاتفه، فتح تطبيق التشفير الخاص. كتب بسرعة: إحداثيات موقعٍ خارج المدينة، شمالًا، في منطقةٍ مهجورةٍ من المزارع القديمة. أرسل. ثم أغلق الشاشة ووضع الهاتف في جيبه. سار مبتعدًا دون التفات.
ياسر شعر بهاتفه يهتز في جيبه. انتظر حتى صار الممر فارغًا نسبيًا، أخرج الجهاز. الرسالة المشفرة. الموقع. نبضه قفز كالمطرقة في أذنيه، في صدره، في رقبته حيث ما زالت تحترق لمسة خالد من الليلة. حذف الرسالة فورًا. الشاشة صارت فارغة. وقف ثانية. العرق يبرد على جلده تحت الثوب. ثم فتح سلة المحذوفات، استعاد الرسالة، نظر إلى الإحداثيات مرةً أخرى. النبض يطرق أضلاعه بقوةٍ تجعل التنفس صعبًا. أغلق الهاتف، وضعه في جيبه، وسار في الاتجاه المعاكس، الظل يلاحقه على الجدران الزجاجية، والرغبة الاستحواذية ما زالت تلتهمه من الداخل كالنار التي لا تنطفئ.
خارج النوافذ، الرياض تستيقظ على فضيحة، والأسهم تسقط، والعائلات تستعد للحرب. لكن بينهما شيءٌ أخطر بدأ للتو، ولن يتوقف عند حدود الولاء أو الدمار.