الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وبرج المملكة يقف كعمود من زجاج ونور في قلب الرياض، ينعكس عليه وهج المدينة المتناثر كألماس مبعثر على بحر أسود. الطابق العلوي المخصص لمشروع قلب الرياض كان صامتاً إلا من همهمة المكيفات الخافتة وصوت المصعد الخاص الذي يئنّ ببطء خلف الأبواب المغلقة. الهواء المعاد تدويره بارد، يحمل رائحة الصندل الخفيفة المختلطة بحبر الطابعة الجاف، ورائحة الجلد الطبيعي من الكراسي السوداء التي تصرّ كلما تحرك أحدهم. النوافذ الزجاجية من الأرض إلى السقف تكشف الرياض كلها تحتهم: أضواء الشوارع، ناطحات السحاب البعيدة، والصحراء التي تبتلع الأفق. لا أحد هنا غيرهما. لا مستشارين، لا آباء، لا شهود. فقط خالد بن طلال آل سعود وياسر المنصور، محاصران بملفات العقود والخرائط والأرقام التي يجب أن يُنهيا مراجعتها قبل الفجر، حتى يبدأ الحفر دون تدخل العائلتين.
ياسر كان واقفاً أمام الطاولة الطويلة المصنوعة من خشب الجوز الداكن، يديه على حافتها، الثوب الأبيض مكويّ بدقة لكنه يبدو متوتراً على كتفيه العريضين. عيناه الرماديتان تتحركان بسرعة على البنود المطبوعة. «بند تقاسم الأرباح. أربعون بالمئة لك، أربعون لي، وعشرون للصندوق. هذا غير مقبول. شركتي تتحمل التكاليف التشغيلية كلها في المرحلة الأولى. أريد خمسة وخمسين».
خالد جالس على الكرسي الجلدي المقابل، البشت الأسود ملقى على ظهر المقعد، الأكمام البيضاء مرفوعة إلى المرفقين، أصابعه الطويلة تمسك قلماً ذهبياً. وجهه بارد كالعادة، لكن عينيه السوداوين تلمعان تحت ضوء المصابيح الخافت. «الأربعون كافية. أنت تحصل على اسمك بجانب آل سعود. هذا وحده يساوي العشرة بالمئة الإضافية. أو هل نسيت أن السمعة تُشترى أيضاً؟».
«السمعة لا تدفع رواتب العمال ولا تشتري الإسمنت»، رد ياسر بصوت منخفض، اللهجة الخليجية تتسلل إلى كلماته. تحرك حول الطاولة، اقترب خطوة. «بند حق النقض. كل قرار يحتاج توقيعنا الاثنين. هذا يعني أنك تستطيع تعطيل كل شيء إذا لم يعجبك لون البلاط».
خالد رفع رأسه ببطء. «وهذا يعني أنك لا تستطيع تمرير مقاول رخيص يهدد السلامة. رأيت تقارير مواقعك السابقة. الوفيات ليست مجرد أرقام».
الصمت سقط بينهما كحجر. ياسر شعر بحرارة ترتفع في رقبته، لكنه لم يتراجع. اقترب أكثر، حتى صارت رائحة عطر خالد — الصندل المختلط بشيء معدني خفيف — تملأ أنفه. «الإهمال المغطى ليس من طرفي فقط، يا سمو الأمير. الجميع يعرف كيف تُدار بعض المشاريع الملكية».
خالد نهض فجأة. الكرسي صرّ صريراً حاداً. وقف قبالة ياسر، الفارق في الطول ضئيل، لكن المسافة بينهما لم تعد آمنة. «لا تتكلم بما لا تعرف. افتح الخريطة».
سحب خالد المخطط الكبير لموقع وسط الرياض، فرده على الطاولة. الأضواء الباردة تنعكس على الورق اللامع. انحنى فوقه، إصبعه يشير إلى رقم في زاوية. «هنا. التكلفة التقديرية للبنية التحتية. الرقم خطأ. يجب أن يكون أعلى بسبعة بالمئة على الأقل».
ياسر انحنى أيضاً، دون قصد، أو ربما بقصد. كتفه كاد يلامس كتف خالد. الهواء البارد بينهما صار دافئاً فجأة. خالد مال أكثر، صوته انخفض إلى همس خشن قرب أذن ياسر: «انظر جيداً. هذه النقطة. إذا أخطأت فيها، ينهار كل شيء».
صوت خالد كان منخفضاً جداً، يلامس الجلد تقريباً. ياسر شعر بقشعريرة تسري من رقبته إلى أسفل ظهره. لم يبتعد. نظر إلى الرقم، ثم إلى أصابع خالد الطويلة التي تضغط على الورق. «الرقم صحيح حسب تقاريرنا. أنت فقط تريد السيطرة على الميزانية».
«أريد ألا ندفن عمالاً تحت الأنقاض»، قال خالد، وما زال قريباً جداً. رائحة الحبر والصندل تختلطان. «أو هل تفضل أن نكرر أخطاء الماضي؟».
ياسر مدّ يده إلى القلم الذي كان بجانب خالد، تعمد أن تلامس أصابعه معصم خالد وهو يناوله القلم. اللمسة استمرت جزءاً من الثانية أطول مما ينبغي. جلد ساخن تحت قماش رقيق. ثم سحب يده بسرعة، كأنه لم يقصد. «خذ. صحح بنفسك إذا كنت تظن أنك تعرف أكثر».
خالد تجمد لحظة. شعر بحرارة اللمسة تنتقل عبر معصمه كتيار كهربائي. رفع عينيه إلى ياسر، والبروود فيهما يتشقق. «لم يكن حادثاً».
«كان»، كذب ياسر بهدوء، وعاد إلى الجلوس على الكرسي المقابل. الكرسي صرّ مرة أخرى. «ركز على البنود. بند التوظيف. أريد أن تكون نسبة العمال من شركتي ستين بالمئة على الأقل».
«خمسون»، رد خالد وهو يعود إلى مقعده ببطء، كأنه يتحكم في جسده. «ولا مزيد. ولا نقاش في أسماء المقاولين الفرعيين دون موافقتي».
«موافقتك؟» ياسر ضحك ضحكة قصيرة جافة. «أنت لا تعرف كيف تبني جداراً. أنا بنيت مدناً».
«وأنت لا تعرف كيف تحمي اسماً. أنا أحمي عرشاً».
الكلمات صارت أهدأ. الحجج لم تعد تصرخ. كل جملة تخرج همساً تقريباً، والصمت بعدها يطول. أنفاسهما مسموعة في الغرفة الواسعة. خالد يقلب صفحة العقد، أصابعه تتوقف عند بند «المسؤولية المشتركة عن أي فضيحة أو تأخير». قرأ بصوت منخفض: «أي ضرر يلحق بالسمعة أو الأصول... يتحملانه معاً. بما في ذلك الأصول الشخصية».
ياسر شعر بفمه يجف. «هذا البند وُضع ليخنقنا. والدك ووالدي يعرفان ما يفعلان».
«نعم»، قال خالد، ونظر إليه عبر الطاولة. «لذلك يجب أن ننهيه الليلة. قبل أن يقرروا نيابة عنا».
اقترب خالد مرة أخرى من المخطط. انحنى فوقه، وهذه المرة مال أكثر مما يلزم، صوته يهبط قرب وجه ياسر الذي وقف بجانبه دون أن يشعر. «هذه الزاوية. هنا يجب أن يكون المدخل الرئيسي. الرقم هنا...».
ياسر مدّ يده ليشير، ومرة أخرى لامست أصابعه معصم خالد. هذه المرة لم يسحب فوراً. تركها لجزء من الثانية أطول. ثم تظاهر بالخطأ: «عفواً. القلم».
خالد لم يتحرك. شعر بنبض ياسر تحت أصابعه. الرائحة بينهما صارت أثقل: عرق خفيف تحت الثياب، صندل، حبر، وشيء آخر لا اسم له. «لا تعتذر. أنت لا تعتذر أبداً».
«ولا أنت»، همس ياسر.
الصمت طال. الأنفاس مسموعة. خالد يشعر بضربات قلبه تتسارع رغم البروود الذي يفرضه على وجهه. ياسر يرى في عيني خالد شيئاً يتحرك تحت السطح، شيئاً استحواذياً، يريد أن يلتهم المسافة. «بند آخر»، قال ياسر بصوت أجش. «الاجتماعات الأسبوعية. يجب أن تكون هنا، في هذا المكتب، ليلاً إذا لزم الأمر. بعيداً عن العيون».
«موافق»، قال خالد بسرعة غير معتادة. «لكن القرارات تُوثق كتابياً. لا وعود شفوية».
«لا وعود»، وافق ياسر. «فقط نتائج».
مرا على البنود واحداً تلو الآخر. كل بند يصبح ساحة حرب صغيرة: من يوقع أولاً، من يتحكم في الإعلام، من يختار المهندسين. الحجج تصير همسات. الصمت يملأ الفراغات أطول فأطول. خالد يصحح رقماً وهو يميل قريباً جداً، صوته يهتز قليلاً. ياسر يناوله ورقة ويلامس معصمه عمداً، ثم يسحب يده كأنه لم يفعل. الغرفة الزجاجية تحاصرهما. أضواء المدينة تحتهم تتلألأ بلا رحمة. الهواء البارد لم يعد يكفي. خالد يشعر بحرارة جسد ياسر حتى من مسافة متر. ياسر يرى عرق خالد الخفيف على جبينه، يريد أن يمسحه، ثم يكره نفسه على الفكرة.
الساعة اقتربت من الثالثة. الملفات مبعثرة. معظم البنود موقعة بالأحمر والأسود. «بقي بند واحد»، قال خالد، صوته خشن. «بند الطوارئ. إذا حدث خلاف لا يُحل، يُحال إلى الأمير طلال والشيخ راشد».
ياسر رفع رأسه بحدة. «لا. هذا يعيدنا إلى الفخ. نحل خلافاتنا نحن. هنا. الليلة إذا لزم».
«وكيف؟» تحدى خالد، واقترب خطوة. «بالصراخ؟ بالتهديد؟».
«بالقوة»، همس ياسر. «من ينهار أولاً يخسر».
نظراتهما تتشابك. المسافة تنهار. خالد يشعر برغبة مجنونة في أن يمسك بياقة ثوب ياسر ويهزه حتى يعترف بشيء. ياسر يشعر بنفس اللهب الذي لمسه في الممر بالقصر، لكنه الآن أسخن، أقرب، يلتهم الحدود.
ثم حدث الانقطاع.
فجأة، انطفأت كل الأضواء. الغرفة غرقت في ظلام دامس. أضواء المدينة تحتهم بقيت تتلألأ، لكن داخل المكتب صار أسوداً تماماً. صوت المكيف توقف. همهمة المصعد الخاص خلف الأبواب صارت أعلى، كأنها تتنفس. «ماذا...؟» بدأ ياسر.
«انقطاع مؤقت»، قال خالد، صوته هادئ رغم التوتر. «المولدات تعمل خلال ثوانٍ. لكن المصعد...».
سمعوا صوتاً معدنياً خافتاً. أبواب المصعد الخاص انفتحت قليلاً، ضوء طارئ أحمر خافت يتسرب منها. «يجب أن ننزل»، قال خالد. «الطوارئ في الطابق الأرضي. الأنظمة قد تتعطل».
تحركا في الظلام. أيديهما تبحث عن الطريق. لمسا بعضهما بالصدفة — كتف بكتف، يد بذراع — ثم انفصلا بسرعة. دخلا المصعد الخاص الضيق. الأبواب انغلقت خلفهما بصوت نهائي. الضوء الأحمر الطارئ يصبغ وجهيهما بلون الدم. المساحة ضيقة جداً. رائحة الصندل والحبر والعرق تختلط في الهواء الساكن. المصعد لم يتحرك. انقطعت الكهرباء تماماً. هما محاصران.
الصمت يثقل. أنفاسهما مسموعة بوضوح. خالد يقف مستقيماً، ظهره إلى الجدار، ينظر إلى ياسر في الضوء الأحمر. ياسر يقف قبالته، صدره يرتفع وينخفض. «كم من الوقت؟» سأل ياسر بصوت منخفض.
«دقائق. أو أكثر»، رد خالد. «المولدات تحت الأرض».
المسافة بينهما أقل من ذراع. الحرارة ترتفع رغم الهواء البارد المتبقي. خالد يشعر بقلبه يدق في أذنيه. ياسر يرى عيني خالد تلمعان بالأحمر، ويرى فيهما نفس الشيء الذي يحترق في صدره. «هذا...»، بدأ ياسر، ثم توقف.
خالد مال نصف خطوة إلى الأمام. «ماذا؟».
ياسر لم يجب. مدّ يده، ربما ليدفعه بعيداً، أو ليمسك به. لمس صدر خالد. خالد أمسك بمعصم ياسر. اللمسة اشتعلت. الأدrenalin المتبقي من الجدال، من الليلة كلها، من اللمسات المتعمدة، انفجر. لم يعرف أيهما بدأ. الشفاه التقت فجأة، بقوة، كصاعقة. قبلة حارقة، ليست لطيفة ولا مترددة. أسنان تصطدم، أنفاس تختلط، أيادٍ تمسك بأكتاف وثياب. خالد يعمقها، يميل برأسه، يده تمسك برقبة ياسر بقوة. ياسر يرد بنفس الشراسة، يدفعه إلى الجدار المعدني البارد، يده تمسك بياقة خالد. الحرارة تلتهم كل شيء. الرغبة الاستحواذية التي كانت ناراً تحت الرماد صارت لهباً مفتوحاً. كلاهما يعمق القبلة، يأخذهما التيار، ينسيان من هما وأين، فقط الشفاه والأسنان والأنفاس والضغط الجسدي في المساحة الضيقة.
ثم جاء الذعر.
خالد سحب رأسه فجأة، يتنفس بصعوبة. ياسر تراجع خطوة، ظهره يصطدم بالجدار الآخر. الشفاه ما زالت تحترق. الضوء الأحمر يرسم ظلالاً على وجهيهما المتوترة. «ماذا...؟» همس ياسر، صوته مكسور.
«لا تقل شيئاً»، رد خالد بسرعة، يده ترتجف قليلاً وهو يمسح فمه بظهرها. «لم يحدث».
«حدث»، قال ياسر، عيناه واسعة. «وأنت عمقته».
«وأنت أيضاً».
المصعد اهتز فجأة. الأضواء عادت جزئياً. الأبواب انفتحت على طابق اللوبي. ضوء الصالة الواسعة يتدفق عليهما. وقفا لحظة، ينظران إلى بعضهما، الشفاه ما زالت حمراء ومحترقة، الأنفاس غير منتظمة. ثم تحركا. انفصلا. خرجا في اتجاهين متعاكسين دون كلمة واحدة.
خالد سار نحو الباب الزجاجي الرئيسي، خطواته محسوبة، لكن عقله يدور: كيف يدفن هذا؟ كيف يستخدمه كسلاح إذا لزم؟ كيف يمنع ياسر من أن يملكه بهذا الشيء الذي اشتعل بينهما؟ ياسر سار في الاتجاه الآخر، نحو المصعد الخلفي، قلبه يدق كالمطرقة، يحسب: هل يدفن اللحظة أم يحولها إلى قيد حول رقبة خالد؟ كلاهما يمشي، الظل يلاحقه في اللوبي الفارغ، والرغبة ما زالت تحترق على الشفاه كالعلامة التي لا تُمحى.
الليل في الرياض لم ينتهِ بعد. والمشروع لم يبدأ. لكن شيئاً آخر بدأ، ولن يتوقف.