كانت قاعة الاستقبال في قصر آل سعود بالربوة ترتفع بسقوفها المنحوتة كأنها تلامس السماء، رخامها المصقول يعكس أضواء الثريات الذهبية في موجات باردة تتراقص على أرضية لامعة كمرآة. الهواء كثيف برائحة القهوة الهيل الثقيلة والعود الفاخر الذي يحترق في المباخر النحاسية الموزعة على الزوايا، رائحة تلتصق بالثياب وتدخل الرئتين كأنها تفرض هيبتها. النوافذ المغلقة بإحكام تحجب حرارة الصحراء الخارجية، لكن الضغط الحراري كان يتسلل من خلال الشقوق الدقيقة، يختلط بصوت الأذان البعيد الذي يتسرب عبر المشربية المنحوتة كهمس قديم. الرجال يجلسون في صفوف متقابلة على الكنب الجلدية الداكنة، ثيابهم البيضاء المطرزة بخيوط الذهب والبشوت السوداء الثقيلة تتحرك مع أنفاسهم، وجوههم صامتة، أعينهم تراقب الباب الرئيسي.
دخل ياسر المنصور أولاً، جسده الطويل المستقيم يرفض الجلوس. وقف بجانب الطاولة الطويلة المصنوعة من خشب الورد المرصع بالعاج، أصابعه تطرق مرة واحدة على سطحها الأملس ثم تتوقف فجأة، كأنه يتحكم في غضبه قبل أن ينفجر. فكه مشدود، عيناه الرماديتان تمسحان القاعة بسرعة، تسجلان كل وجه وكل حركة. هو ابن الشيخ راشد المنصور، الرجل الذي بنى إمبراطورية البناء من الصفر، لا من الدم الملكي. يكره أن يُستدعى إلى هذه القصور كأنه خادم. الثوب الأبيض على كتفيه يبدو بسيطاً مقارنة بالبشوت الملكية، لكنه يلبس كبرياءه كدرع. «سيأتون متأخرين كعادتهم»، فكر ياسر، «ليتأكدوا أننا ننتظر».
الأمير طلال آل سعود كان جالساً في صدر المجلس، جسده الضخم يملأ المقعد كجبل هادئ، عيناه الثقيلتان تراقبان الجميع. بجانبه مستشارون وشيوخ من العائلة، ومن بينهم الشيخ راشد المنصور الذي يجلس صامتاً، يده على عصاه الخشبية، وجهه يشي بغضب مكتوم. المشروع «قلب الرياض» كان أكبر من أي خلاف عائلي؛ صندوق الاستثمارات العامة يرعاه، والمجد يجب أن يُقتسم. لكن الاقتسام يعني التنازل، والتنازل يعني الضعف.
دخل خالد بن طلال آل سعود متأخراً بعشر دقائق كاملة، متعمداً. خطواته بطيئة محسوبة على الرخام، كل نقرة حذاء تلمع كإعلان. البشت الأسود المطرز بخيوط ذهبية يتمايل خلفه، وجهه بارد كالصقيع، عيناه السوداوان تمسحان القاعة بتقييم بارد، تتوقفان لحظة على ياسر الواقف ثم تتحركان. لم يعتذر. جلس في المقعد المخصص له بجانب والده الأمير طلال، يده تستقر على ذراع الكرسي، أصابعه الطويلة لا تتحرك. «هذا الرجل يقف كأنه يملك المكان»، فكر خالد، «ابن التاجر الذي يظن أن المال يشتري النسب». الرائحة الثقيلة للعود تملأ أنفه، والهيل يحرق حلقه، لكنه لا يُظهر شيئاً. الأذان الخارجي يتلاشى، ويحل محله صمت القاعة الثقيل.
الأمير طلال رفع يده قليلاً، صوته العميق يملأ الفراغ: «اجلس يا ياسر. هذا المجلس ليس سوقاً».
ياسر لم يتحرك فوراً. نظر إلى خالد، ثم إلى الشيخ راشد الذي يومئ برأسه إشارة خفيفة. جلس أخيراً، لكن ظهره بقي مستقيماً كالرمح. «سمعاً وطاعة يا سمو الأمير»، قال بصوت رسمي مقطع، اللهجة الخليجية واضحة في كلماته، لكنه يحافظ على الفصحى المشدودة. عيناه لا تفارقان خالد. «جئنا لنناقش قيادة المشروع، لا لننتظر».
خالد ابتسم ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه. «الانتظار أدب يا ياسر المنصور. ربما في مواقع البناء لا يعرفون ذلك».
الكلمات تتطاير كالشرر. ياسر يشعر بحرارة ترتفع في صدره، أصابعه تطرق مرة أخرى على الطاولة ثم تتوقف. «مواقع البناء التي بنيت نصف الرياض يا سمو الأمير. بينما بعضنا يرث الجدران جاهزة».
همس خفيف في القاعة. الشيخ راشد ينظر إلى ابنه نظرة تحذير، لكن ياسر لا يلتفت. خالد يشعر بوخزة صغيرة في فكه، يضغط أسنانه. «الإرث ليس ضعفاً. هو مسؤولية. مشروع قلب الرياض سيُعاد إعماره تحت رعاية الصندوق، وهو يحتاج دماً ملكياً يضمن الولاء، لا مجرد مقاولين».
ياسر يميل للأمام قليلاً، رائحة العود تختلط بعرقه الخفيف تحت الثوب. «الولاء يُشترى بالأداء، لا باللقب. شركتي أنجزت مشاريع أكبر في وقت أقل. أما...»
قاطعه أحد الأقارب الكبار، رجل مسن من آل سعود بوجه متجعد ولحية بيضاء: «ياسر المنصور بنى إمبراطورية من لا شيء. شركاته توظف الآلاف، ومشاريعه في الشمال والجنوب تشهد له. ربما يحتاج المشروع إلى هذه القوة العملية إلى جانب الرعاية الملكية».
المديح الخفيف يسقط كحجر في الماء. خالد يشعر بتشنج دقيق في كتفه الأيسر، عضلة تتوتر ثم تسترخي. ياسر يلاحظها فوراً، يسجلها في ذاكرته كسلاح. «رأى الضعف»، فكر ياسر، «وسيطويه ليوم آخر». خالد يدرك أنه لاحظ، عيونه تضييق لجزء من الثانية، ثم يعود البرود. «القوة العملية بلا توجيه تصبح فوضى»، قال خالد بصوت منخفض حاد. «نحن لا نحتاج مقاولاً، نحتاج شريكاً يعرف حدوده».
الأمير طلال يرفع حاجبه. «كفى. المشروع أكبر منكما. صندوق الاستثمارات العامة قرر. قلب الرياض سيُعاد بناؤه، والوسط سيصبح أيقونة. المجد للعائلتين، والسيطرة مشتركة».
ياسر يضحك ضحكة قصيرة جافة. «مشتركة؟ كيف يكون الأمر مشتركاً وأنا أرفض أن يوقع أحد على قراراتي؟ شركتي تتحمل المخاطر الحقيقية. العمال، الجداول، التكاليف. أنتم توقعون فقط».
خالد يميل إلى الأمام الآن، الرائحة الكثيفة للهيل تملأ الفراغ بينهما. «ونحن نتحمل السمعة. إذا فشل المشروع، يسقط الاسم. اسم آل سعود. أما أنت... يمكنك أن تختفي خلف شركاتك».
«لن أختفي»، يرد ياسر، صوته ينخفض إلى همس خطير. «ولن أتنازل عن أي جزء من السلطة. إما قيادة كاملة، أو لا».
«وكذلك أنا»، يقول خالد، عيناه تلمعان. «لن أشارك كرسيّاً مع من لا يستحق».
الصمت يثقل. الحرارة الخارجية تضغط على النوافذ، صوت مكيف الهواء الخافت لا يكفي. الرخام يعكس وجوههما المتوترة، الذهب في الثياب يلمع كتهديد. الشيخ راشد يتكلم أخيراً، صوته خشن: «ياسر، استمع. المشروع يربطنا. الأصول قد تُجمَّد إذا...».
«أعلم ما تهدد به يا والدي»، يقاطعه ياسر دون أن ينظر إليه. «لكنني لست خادماً».
الأمير طلال ينظر إلى مستشاره الكبير، رجل نحيف يرتدي نظارات، يجلس في الزاوية يحمل ملفاً جلدياً سميكاً. المستشار ينهض ببطء، يفتح الملف على الطاولة. الأوراق تُصدر صوت حفيف خفيف. «Gentlemen»، يبدأ بالإنجليزية ثم يصحح نفسه فوراً إلى العربية الفصحى الثقيلة. «العقود وُقعت مسبقاً من قبل ممثلي الصندوق والعائلتين. خالد بن طلال آل سعود وياسر المنصور هما الرئيسان المشاركان لمشروع قلب الرياض. صلاحيات متساوية. حق النقض لكل منهما على أي قرار. والمسؤولية المالية مشتركة بالكامل. أي خسارة، أي تأخير، أي فضيحة... تقع على كليهما. الأصول الشخصية والعائلية مرهونة».
الكلمات تسقط كالسلاسل. ياسر يشعر بدمه يتجمد ثم يغلي. يقف فجأة، الكرسي يتحرك خلفه بصوت حاد. «هذا... هذا فخ. لم أوقع شيئاً».
«وقع والدك»، يقول المستشار بهدوء. «ووقع الأمير طلال. العقود ملزمة. المشروع يبدأ الأسبوع المقبل. المخططات جاهزة. التمويل جاهز. أنتما... مقيدان».
خالد لا يتحرك، لكن عينيه تتسعان قليلاً. يشعر بالفخ يضيق حول رقبته. والده الأمير طلال ينظر إليه نظرة ثابتة: «هذا قرار. المجد مشترك، والدمار مشترك. أظهر أنك تستحق الاسم».
ياسر ينظر إلى الشيخ راشد، يرى التهديد في عينيه: تجميد الأصول، تدمير الإمبراطورية التي بناها. «يا والدي...».
«الصمت»، يقول الشيخ راشد. «اقبل. أو تخسر كل شيء».
الغضب يتصاعد في القاعة كالدخان. خالد وياسر يتبادلان النظرات، كل منهما يرى في الآخر العدو والقيود. «لن أعمل تحت أمرك»، يقول خالد بصوت منخفض جداً، فقط لياسر.
«ولن أعمل تحت أمرك»، يرد ياسر. «سنتحطم معاً إذا لزم الأمر».
المستشار يغلق الملف. «القرار نهائي. الاجتماع القادم في موقع المشروع. ابدأوا بالتنسيق».
الأمير طلال ينهض، الجميع ينهضون. الاجتماع ينتهي فجأة كأنه لم يكن. الرجال يتفرقون، البشوت تتحرك، الروائح تختلط. ياسر يتحرك نحو الباب المقوس، خالد يسير بجانبه دون قصد، الممر الطويل المقوس يؤدي إلى الخارج، الجدران مزينة بالآيات والزخارف، الضوء الخافت يتسلل من المشربية.
أكمامهما تتلامس. الثوب الأبيض لياسر والبشت الأسود لخالد يفركان لبعضهما لجزء من الثانية. كلاهما يتجمد. الحرارة تنتقل من خلال القماش، ليست حرارة الغضب فقط. شيء أسخن، أخطر، يزحف تحت الجلد. ياسر يشعر بضربات قلبه تتسارع، رائحة عود خالد تختلط بعرقه، عيناه تلتقيان عيني خالد في الظل. خالد يشعر بنفس الشيء: العداء الذي كان ناراً يصبح فجأة لهباً مختلفاً، استحواذياً، يلتهم الحدود. نصف ثانية فقط. ثم يسحبان ذراعيهما كأنهما لمسا ناراً حقيقية.
ياسر يهمس دون أن ينظر: «هذا لم ينتهِ».
خالد يرد بنفس الهدوء المسموم: «لقد بدأ للتو».
يمشيان جنباً إلى جنب خارجين إلى ضوء الرياض الحارق، الظل يلاحقهماعلى الرخام، والرغبة المكبوتة تشتعل في الصمت بينهما كقنبلة موقوتة.