خرجت هيا العتيبي من القاعة كمن خرجت من محاكمة لم يصدر حكمها بعد، لكنها لم تنتظر القضاة. كان الهواء البارد في الممر أرفع من أن يبرد الغضب في صدرها، وكانت أصابعها ما تزال قابضة على حافة الملف حتى ابيضّت سلامياتها.
قالت عبير الصالح من طرف القاعة وهي تلحق بها:
"هيا العتيبي، أين؟"
"إلى المشغل."
"أجيء معك."
"كان يجب أن تبقي شاهدة هنا، لكن المشغل الآن أهم. تعالي."
قال راكان البسام خلفهما:
"السيارات في الأسفل خلال دقيقة."
التفتت إليه هيا العتيبي عند المصعد.
"أنا لا أركب معك."
"لم أعرض."
"جيد."
قالت حصة المطيري من خلف الطاولة، صوتها مشدود لكنه محسوب:
"راكان البسام، مغادرتك الآن ستُسجّل."
قال وهو يضغط زر المصعد بيده العارية، لا بجهاز ولا بساعة:
"سجّلي أن رئيس المجلس ذهب لمنع تصرف ميداني قد يطيح كل ما تحاولين حمايته."
قال خالد السبيعي:
"سأثبت ذلك في محضر الاجتماع."
نظرت إليه حصة المطيري بسرعة.
"أنت لا تدير الشركة."
"ولا أدير عائلتكم. لكنني أدير ما يدخل في ملف هيئة السوق المالية."
قال مروان الفالح من الشاشة، وقد صار صوته أرفع من المعتاد:
"راكان البسام، إذا ظهرت أمام الموقع سيعتبر السوق أن هناك نزاع ملكية فعلي."
قال راكان البسام:
"إذا تهدم الموقع سيصبح النزاع جريمة علنية."
قالت حصة المطيري:
"هناك فرق بين وقف إجراء وبين الوقوف أمام عدسات الناس."
ردت هيا العتيبي وهي تدخل المصعد:
"العدسات ليست المشكلة. المشكلة أنكم لا تتصرفون إلا حين ترونها."
دخل راكان البسام بعدها دون أن يقترب. عبير الصالح دخلت مع هيا العتيبي في المصعد نفسه، لكن بينهما وبين راكان البسام فراغ مشحون. أغلقت الأبواب، ونزلت الأرقام بسرعة تشبه سقوطًا لا عودة منه.
قالت عبير الصالح بصوت منخفض:
"لمى الحربي أرسلت موقعها. هم دفعوها بعيدًا عن الواجهة."
قالت هيا العتيبي:
"هل صورت؟"
"نعم. وفيه رجال يطلبون منها حذف الفيديو."
قال راكان البسام:
"أرسلي لي المقطع."
قالت عبير الصالح دون أن تنظر إليه:
"سيذهب إلى أكثر من جهة قبل أن يذهب إليك."
"هذا يزيد الفوضى."
قالت هيا العتيبي:
"الفوضى بدأت عندما تحركت المعدات باسمكم."
لم يرد. كان المصعد يهبط خلال طبقات البرج، وكل طبقة كأنها تخلع عنه شيئًا من حصانة الطابق الأعلى. عند البهو، كان ياسر الدوسري ما زال هناك، لكنه لم يتقدم نحوها فورًا. اكتفى أن يرفع ورقة في يده.
قال من بعيد:
"هيا العتيبي، معي مسودة طلب عاجل."
قالت وهي تمشي:
"ليس الآن."
"الآن تحديدًا."
توقف راكان البسام بينهما.
"ابتعد عن طريقها."
ابتسم ياسر الدوسري ابتسامة صغيرة.
"طريقها إلى المحكمة أم إلى المشغل؟ لأن الطريقين التقيا."
قالت هيا العتيبي:
"إذا أردت أن تساعد، اذهب إلى محكمة الوقف، لا إلى وجهي."
قال ياسر الدوسري:
"سأراك هناك أو في الموقع. لكن اسمعي جملة واحدة: المحكمة ستسأل عن أصل سند الطلاق أو ما يثبت اختفاءه. الدفتر وحده لا يكفي لتجميد كل شيء إذا ظهر نقل لاحق."
توقفت هذه المرة.
"من قال لك عن النقل اللاحق؟"
قال ياسر الدوسري:
"حين يتحرك الهدم بهذه الوقاحة، لا يتحرك فوق فراغ. وأنا لا أراقب الجرافات، أراقب الشركات التي تُنقل إليها الجرافات قبل أن تتحرك."
قال راكان البسام:
"أنت لا تعرف ما يكفي لتلوّح به."
"أعرف أن الوقت يسبقكم."
قالت عبير الصالح:
"هيا العتيبي، السيارة."
أكملت هيا العتيبي سيرها. خرجت إلى حرارة جدة كأنها اصطدمت بجدار ماء ساخن. الرطوبة التصقت بالعباءة والوجه، والهواء القادم من البحر حمل ملحًا رطبًا وغبار إسفلت مسخّنًا. سيارات السائقين كانت مصطفة تحت المظلة، لكن هيا العتيبي لم تنتظر ترتيبًا؛ فتحت باب سيارة عبير الصالح الصغيرة وجلست في المقعد الأمامي.
قالت عبير الصالح وهي تدور حول السيارة:
"أعرف اختصارًا من خلف التحلية."
قالت هيا العتيبي:
"خذي أي طريق لا يبيعنا لإشارة."
اقترب راكان البسام من النافذة قبل أن تنطلق السيارة.
"سأكون خلفك."
قالت هيا العتيبي:
"لا تكن خلفي إذا كان حضورك سيجعلهم يسرعون."
"وجودي قد يوقفهم."
"أو يعطيهم سببًا ليقولوا إنك تدير المسرحية."
قال:
"سأتحمل ذلك."
حدقت فيه لحظة، لا لتصدقه، بل لتقيس مقدار ما قد ينكسر منه في العلن.
"اليوم ليس اختبار شجاعة. اليوم بيت أمي."
انطلقت السيارة.
بعد ثوانٍ، لحقت بها سيارة راكان البسام السوداء، ثقيلة ولامعة بين سيارات الظهيرة. في المقعد الخلفي، فتح راكان البسام اتصالًا مباشرًا بالسائق الأمامي وبفريقه القانوني.
"أريد صيغة وقف ميداني باسم الشركة الآن. لا كلمات عامة. اكتبوا: لا دخول، لا نقل، لا إزالة، لا كسر أقفال، ولا تعامل مع أي جهة خارجية باسم البسام حتى إشعار موقّع مني."
جاء صوت أحد مستشاريه:
"لكن البلدية قد تعتبرنا متراجعين عن التزام—"
"ليعتبروا ما يشاؤون. أرسلوا نسخة إلى بسام الرشيد."
"وحصة المطيري؟"
نظر راكان البسام إلى سيارة هيا العتيبي أمامه وهي تنعطف بعنف بين المسارات.
"تُبلغ بعد الإرسال."
في البرج، لم تنتظر حصة المطيري أن تُبلغ. وقفت قرب طرف القاعة وطلبت تركي القحطاني من هاتفها الخاص. لم تذهب إلى زاوية بعيدة؛ لم يعد في المكان زوايا آمنة. كانت تعرف أن خالد السبيعي يراها، لكنها لم تترك وجهها يفضحها.
رد تركي القحطاني وسط ضجيج الموقع:
"نعم؟"
قالت حصة المطيري:
"أين وصلت؟"
"فريق البلدية يريد إخلاء المكان. أمر الشركة وصل بالتوقف، لكن أمر البلدية لم يُسحب. ممثل البلدية يلوّح برقم إخلاء إداري، ومعدات البسام واقفة، ومقاولو مدار الساحل للتطوير يقولون إنهم يتبعون الإخلاء الإداري."
"ليست أوامر متضاربة. أمره يخص الشركة، لا البلدية."
"إذا بدأوا بالكسر سنبدو كأننا دفعناهم."
"أنت لا تدفع أحدًا. أنت تؤكد حدود السلامة وتترك الجهة المختصة تنفذ."
"هذا كلام يصلح في بريد. هنا توجد فتاة تصور ونساء عند الواجهة."
سكتت حصة المطيري لحظة. لم يكن صمتها ترددًا فقط؛ كان تذكّرًا قديمًا لملف أُخرجت منه سعاد المطيري بجملة قانونية واحدة، ثم طُلب منها هي أن توقع صفحة تقول إن الإفصاح مكتمل. يومها حملت الخطأ وحدها، ولم يسأل أحد من الذي دفن اسم أمها أصلًا.
قالت بصوت أخفض:
"أبقِ العمال جاهزين. لا تتحرك باسم الشركة إذا كان راكان البسام أمامك، لكن لا تسحب معداتك. إذا وصل طلب قضائي سنتوقف. قبل ذلك، لا تعطهم انتصار صورة."
قال تركي القحطاني:
"إذا حضر بنفسه؟"
"استمع إليه أمام الكاميرات، ونفّذ ما لا يورطك."
"هذه ليست تعليمات."
"هذه نجاة."
أنهت المكالمة، لكنها لم تضع الهاتف فورًا. فتحت المقطع الذي وصل من لمى الحربي، نسخته إلى مجلد داخلي باسم بارد لا يعني شيئًا لمن يفتشه: "سلامة موقع". ثم أرسلته إلى بريدها المؤسسي مع ختم وقت. كانت تعرف أن فهد البسام يكره الأدلة التي لا تمر عبر يده، وتعرف أيضًا أن إنقاذ الدليل لا يعني أنها أنقذت هيا العتيبي.
سمعت خالد السبيعي يقول من خلفها:
"نجاة من ماذا؟"
أدارت حصة المطيري وجهها إليه.
"من سوء إدارة ميدانية."
"هل أعطيت أمرًا باستمرار التمركز؟"
"أعطيت أمرًا بعدم الفوضى."
قال خالد السبيعي:
"الكلمات التي لا تستطيعين كتابتها لا تستحق أن تُقال."
اقتربت منه حصة المطيري، وكان وجهها هادئًا إلى حد الاستفزاز.
"وأنت؟ هل تستطيع أن تكتب أن الهيئة تريد تعطيل طرح بسبب امرأة تحمل أوراق عائلية؟"
قال:
"أستطيع أن أكتب أن الشركة تتعامل مع نزاع جوهري كأنه حريق مطبخ."
قالت:
"اكتب أيضًا أن نصف من في هذه القاعة ينتظر سقوط راكان البسام ليرى كم يساوي اسمه بلا شركة."
قال خالد السبيعي:
"وأنت؟ ماذا تنتظرين؟"
لم تجبه. عادت إلى الطاولة، لكن يدها لم تكن ثابتة وهي تلتقط ملف الإفصاح.
في الطريق، كانت جدة تضيق حول هيا العتيبي. الحافلات تقطع المسار، الدراجات تلتف بين المرايا، والحرارة ترتفع من الطريق كتنفس كائن كبير غاضب. عبير الصالح تضغط على المقود حتى ابيضّت مفاصلها.
قالت عبير الصالح:
"إذا وصلنا وبدأوا، لا تقفين أمام المعدة. تكلمين الناس، تصرخين، تصورين، لكن لا تقفين أمامها."
قالت هيا العتيبي:
"هذا بيت نوال العتيبي."
"وأنت بنتها، لست قربانًا لها."
"لو كانت حية، لوقفت."
"لو كانت حية، لضربتني لو تركتك تموتين تحت عجلات مقاول."
ابتسمت هيا العتيبي لأول مرة، ابتسامة قصيرة بلا فرح.
"كانت ستضربنا كلتينا."
رن هاتف عبير الصالح. نظرت إلى الاسم ولم ترد. تحركت أصابعها إلى طرف ملف أزرق صغير موضوع بين المقعدين، لمسته كما يلمس شخص مفتاح باب يخاف أن يفتحه، ثم أبعدت يدها بسرعة.
قالت هيا العتيبي:
"من؟"
"البنك."
"الآن؟"
"ليس البنك. النظام الذي أتعامل معه أرسل تنبيهًا عن طلب كشف قديم."
"القرض؟"
أبطأت عبير الصالح عند إشارة، ثم تجاوزت سيارة كانت تحاول إدخال مقدمتها.
"نعم."
قالت هيا العتيبي:
"حصة المطيري."
"أو من يتحرك حولها."
"هل هناك شيء لم تخبريني به؟"
سكتت عبير الصالح لحظة أطول من اللازم.
قالت هيا العتيبي:
"عبير الصالح."
"أخبرتك أنني قبلت مساعدة لسداد القرض."
"قلتِ من حساب غير واضح."
"لأنني لم أعرفه وقتها."
"والآن؟"
قالت عبير الصالح:
"رأيت اسمًا في طلب الكشف. نفس الحروف التي لم أفهمها يوم ظهر التنبيه الأول. كان الاسم ناقصًا، كأنه مقطوع من منتصف الشاشة."
"ما هو؟"
هزت عبير الصالح رأسها.
"ليس قبل أن أصل وأتأكد. لو قلته الآن سيتغير وجهك، ونحن نحتاج وجهك كاملًا."
قالت هيا العتيبي:
"وجهي ليس ملفًا تديرينه."
"لكنه سلاحك الوحيد عندما لا يتركون لكِ غيره."
في السيارة السوداء، كان راكان البسام يتابع موقع السيارة التي أمامه بعينيه، لا بنظام. اتصل ببسام الرشيد مرة أخرى، وجاء الرد بعد رنات كثيرة.
"وصلتني صيغة من فريقك."
قال راكان البسام:
"اعتمدها كطلب تهدئة فوري."
"صيغة دفاعية جدًا."
"لأن الموقع على وشك الانفجار."
قال بسام الرشيد:
"البلدية تقول إن الأمر إداري يتعلق بإزالة عوائق على مسار تطوير، لا بهدم مبنى تراثي."
"هذا كذب أو جهل."
"أنت تقول ذلك الآن بعد سنوات من صمت الشركة؟"
"أنا أقول ذلك قبل وقوع ضرر."
قال بسام الرشيد:
"توجد شركة وسيطة في الملف. ليست البسام مباشرة."
تغير صوت راكان البسام.
"اسمها؟"
"لا أقرأ لك ملفات على الهاتف."
"أرسل الاسم."
"راكان البسام، اسمعني. إذا ظهرت في الموقع، غادة المنصور ستصل قبلك أو بعدك بدقيقة. الخبر خرج. هي تلاحق مدار الساحل للتطوير منذ أيام، وليست تنتظر صدفة الظهيرة."
"من سرّبه؟"
"لا تسأل سؤالًا تعرف أن له أكثر من عدو."
"أريد الاسم."
"أريد منك ألا تحول إدراجًا عامًا إلى معركة نسب أمام كاميرات."
قال راكان البسام ببرودة مفاجئة:
"إذا كانت المعركة داخل سجلاتنا، فالكاميرات تأخرت."
أنهى الاتصال قبل أن يسمع جوابًا. ثم طلب رقمًا داخليًا.
"حصة المطيري."
جاء صوتها بعد لحظة:
"أنت في الطريق؟"
"هل طلبت من تركي القحطاني أن يبقي الموقع حيًا؟"
"طلبت ألا يترك المكان لفوضى لا يعرف أصحابها الفرق بين الوقف والتطوير."
"أجيبي بسطر واضح."
"أجبت بما يكفي."
"إذا تحركت معدة واحدة بعد وصولي، سأحملك المسؤولية في المحضر."
ضحكت مرة قصيرة.
"ستحتاج محضرًا أطول من هذا اليوم."
"حصة المطيري، لا تختبري قدرتي على قطع يد الشركة عن مكتب فهد البسام."
"وهل ستقطعها فعلًا؟ أم ستستعملني لتبدو أنك فعلت؟"
"لا تجعلي نفسك بيني وبينه."
قالت حصة المطيري:
"أنا كنت بينكم منذ ولدت. فقط لم تكونوا ترونني إلا عند توقيع الالتزام."
سكت راكان البسام نصف ثانية.
"هذه ليست حربك."
"كل ملف نسائي مدفون في بيت البسام هو حربي بطريقة ما."
"إذن لا تدفني ملف هيا العتيبي لتثبتي أنك لستِ المدفونة."
لم ترد. قطع الاتصال.
وصلت سيارة عبير الصالح إلى الشارع الضيق المؤدي إلى المشغل. لم يعد بالإمكان التقدم. سيارات وقفت كيفما اتفق، رجال بصدريات، عامل يحمل جهاز قياس، نساء من المشغل عند الزاوية، ومتدربات يرفعن هواتفهن. صوت المولدات كان خشنًا، مختلطًا بنداءات متقطعة ورنين معدني من أدوات وضعت على الأرض.
فتحت هيا العتيبي الباب قبل أن تتوقف السيارة تمامًا.
صرخت عبير الصالح:
"هيا العتيبي!"
لكن هيا العتيبي كانت قد اندفعت وسط الحشد. عباءتها اصطدمت بذراع عامل، وكادت تسقط. رأت الباب قبل أن ترى الناس: القفل القديم، الخشب الذي غمّقته الأيدي والملح، أثر خدش جديد قرب الحلقة الحديدية. توقفت ثانية واحدة. لم تكن ثانية حساب؛ كانت ارتجاجًا في الركبتين، كأن الباب نفسه سألها إن كانت وصلت متأخرة.
أمسكت لمى الحربي بها من الجانب.
قالت لمى الحربي وهي ترتجف:
"حاولوا يفتحون القفل. عبير الصالح قالت لي أصور، صورت كل شيء. وأنا أقول أسماءهم في الفيديو، واحد واحد، مثل ما كانت نوال العتيبي تقول لنا: الاسم يخاف من الصوت."
لم تندفع هيا العتيبي نحو الرجال أولًا. رفعت يدها إلى كتف لمى الحربي، ثبتتها، ومسحت بإبهامها غبارًا عالقًا على خدها.
"تنفسي."
قالت لمى الحربي:
"كنت خائفة."
"الخوف لا يلغي الشهادة."
ثم نظرت هيا العتيبي إلى العتبة.
"أين عبير الصالح؟"
"عند العتبة. واقفة بينهم وبين الداخل."
رأت هيا العتيبي المشغل.
لم يكن مجرد مبنى. كان صدرًا قديمًا مفتوحًا على ذاكرة النساء. الواجهة الطينية تحمل تشققات الشمس، وفوقها لوحة باهتة باسم نوال العتيبي. داخل الفتحة العريضة للمدخل، ظهرت أثواب مطرزة معلقة على قضبان نحاسية، بعضها نصف مكتمل، تلمع فيه خيوط الذهب كحبات قمح تحت نار الظهيرة. الغبار عالق على الرفوف، لا كإهمال بل كزمن. رائحة بخور قديم، مختلط بالقماش المكوي والعرق والخوف، خرجت من الداخل وعلقت في حلقها. على طاولة قريبة، كانت بكرات الخيط مصطفة بألوان عميقة: عنابي، أخضر نخلي، أزرق داكن، وأسود يبتلع اللمعان.
كان هناك كرسي خشبي فارغ قرب ماكينة قديمة، فوقه ثوب صغير غير مكتمل الحاشية، وبجواره دفتر حسابات مفتوح على صفحة كتبت فيها نوال العتيبي رقمًا خاطئًا ثم شطبته بخطين، وعلقت تحته ورقة صفراء: "أجر لمى الحربي يُدفع كاملًا ولو تأخر الزبون." على الجدار الداخلي، خط قصير بقلم رصاص قرب الباب الخلفي، وتحته تاريخ قديم واسم زياد بن راكان البسام مكتوبًا بخط نوال العتيبي، لا كملف نسب، بل كطول قيس في بيت جدته.
وعلى طرف الطاولة نفسها، كانت ورقة مطوية على شكل قارب صغير، من تلك التي كان زياد بن راكان البسام يصنعها كلما سمع صوت المطر في تسجيل قديم من جدة. كانت حافتها ملونة بخيط أزرق، وفي داخلها كلمة واحدة بخطه: "لجدتي". لم تلمسها هيا العتيبي، لكنها رأت صوت ابنها الذي وصلها في السيارة يتحول إلى شيء يمكن أن تسحقه جرافة.
وعند المدخل، وقفت عبير الصالح بذراعيها مفتوحتين، لا تمنع العالم بقوتها، بل بفضيحة أن يزيحها أحد.
قال عامل:
"يا أختي، ابتعدي. هذا إجراء رسمي."
قالت عبير الصالح:
"الإجراء الرسمي يقرأ اسمه قبل أن يدخل بيت ناس."
قال ممثل البلدية، وهو يحمل ملفًا بلاستيكيًا مختومًا:
"لدينا توجيه إزالة عوائق، رقم الإخلاء الإداري مثبت هنا."
"الرقم لا يصير ضميرًا."
قال تركي القحطاني من الجانب:
"عبير الصالح، لا تصعّدي."
قالت:
"أنت بدأت التصعيد عندما جئت بمعدة إلى بيت نوال العتيبي."
وصلت هيا العتيبي إلى جانبها. لم تتحرك عبير الصالح من العتبة، لكنها خفضت ذراعًا قليلًا لتفسح لهيا العتيبي مكانًا. هيا العتيبي لاحظت الحركة، ولاحظت أيضًا أنها لم تلتصق بها كما كانت تفعل في كل أزمة. بقي بينهما نصف خطوة، نصف شك، ونصف حاجة.
قالت هيا العتيبي بصوت حمل الشارع كله:
"من المسؤول هنا؟"
التفت تركي القحطاني. كان يتصبب عرقًا، لا من الحر وحده. رأى خلفها سيارة راكان البسام السوداء تدخل الشارع بصعوبة، ورأى الهواتف ترتفع أكثر.
قال:
"أنا مدير موقع البسام."
قالت هيا العتيبي:
"أي موقع؟ هذا مشغل."
"في الملف هو عقار ضمن نطاق تطوير."
"في الوقف هو بيت عمل للنساء."
قال ممثل البلدية:
"الأوراق عندنا—"
قاطعته هيا العتيبي:
"اقرأ اسم الإجراء ورقمه للكاميرا."
تلعثم قليلًا، ثم رفع الورقة.
"إخلاء إداري لإزالة عوائق، رقم—"
قالت لمى الحربي من خلف الهاتف:
"واضح. الوقت، المكان، الرقم، والباب واضح."
اقترب راكان البسام من الحشد. لم يصح أحد باسمه، لكن الحركة حوله تغيرت. العمال عرفوا السلطة التي تدفع فواتيرهم حتى لو لم توقع أوامرهم. كاميرات الهواتف انتقلت إليه.
قال تركي القحطاني بسرعة:
"راكان البسام، وصلتنا تعليمات مختلطة. أمر الشركة وصل، لكن أمر البلدية لم يُسحب. ممثل البلدية يطلب الإخلاء الإداري، ومقاولو مدار الساحل للتطوير واقفون على أن الأمر إداري."
قطع راكان البسام:
"لا تخلط المسؤوليات. معدات البسام أين؟ ومقاول مدار الساحل للتطوير أين؟ ومن الذي حاول القفل؟"
قال تركي القحطاني:
"معدات البسام واقفة عند طرف الشارع. مقاول مدار الساحل للتطوير هو الذي قرب المعدة الصفراء من الباب. والفحص كان قبل وصول أمر الوقف."
قالت عبير الصالح:
"حاولوا."
قال العامل:
"لم نكسر. فقط فحصنا القفل."
قالت هيا العتيبي:
"الفحص يكون للمرضى، لا للأبواب المقفلة."
كاد راكان البسام ينظر إليها، لكنه أبقى عينه على تركي القحطاني.
"توقف كامل. الآن."
قال تركي القحطاني:
"توقف بأي صفة؟ إذا جاء أمر البلدية—"
"بصفتي رئيس مجلس الشركة التي تقف معداتها وناسها هنا. معدات البسام تخرج من المشهد فورًا، ومقاولو مدار الساحل للتطوير لا يتحركون باسمنا."
قال ممثل البلدية:
"المعدات ليست كلها تابعة لكم."
قال راكان البسام:
"إذن أريد عقودها."
قال تركي القحطاني:
"ليست معي."
"ستحصل عليها خلال خمس دقائق أو تخرجها من الشارع."
قالت هيا العتيبي:
"بعد أن يظهروا الورق الذي يزعمون أنه يسمح لهم بالوقوف هنا."
فتحت عبير الصالح حقيبتها وأخرجت ملفًا شفافًا. توقفت لحظة قبل أن تناوله لهيا العتيبي، كأنها تعطيها شيئًا وتسلّم معها جزءًا من ذنبها.
قالت:
"هذا المسح الضوئي الذي طلبته مني قبل شهر. ليس الأصل، لكنه واضح."
أخذت هيا العتيبي الأوراق ورفعتها أمام الهواتف.
قالت:
"صك وقف نوال العتيبي. شروط الانتفاع والإدارة في ذرية نوال العتيبي من النساء، والحفظ لمن تقوم بالمشغل، وعدم بيع الأصل ولا تحويله إلى منفعة تجارية خارج غرضه."
قال ممثل البلدية:
"المسح الضوئي لا يوقف قرارًا."
قالت هيا العتيبي:
"والقرار الذي لا يقرأ الوقف لا يهدمه."
قال تركي القحطاني:
"هناك نقل لاحق لحقوق التطوير."
ساد صوت واحد من الحشد: همهمة مفاجئة، كأن الشارع وجد كلمة جديدة يعض عليها.
قالت هيا العتيبي:
"من نقل؟"
قال تركي القحطاني:
"الشركة المالكة لحقوق التطوير تملك حق معالجة الموقع ضمن المخطط."
قال راكان البسام:
"اسم الشركة."
تردد تركي القحطاني.
قال راكان البسام:
"لا تجعلني أطلبها مرة ثالثة."
نظر تركي القحطاني إلى ممثل البلدية، ثم إلى الهواتف، ثم إلى الباب الذي كاد يُكسر. كان اختياره صغيرًا في الشكل، لكنه كافٍ ليصير خطرًا عليه.
قال:
"شركة مدار الساحل للتطوير."
تبدل وجه عبير الصالح بسرعة خاطفة، لكنها لم تستطع إخفاءها عن هيا العتيبي التي كانت أقرب الناس إليها. عيناها انزلقتا إلى الملف الأزرق في يدها، ثم إلى الأرض، ثم عادت كأنها لم تتحرك.
قالت هيا العتيبي:
"من يملكها؟"
قال تركي القحطاني:
"شركة ذات غرض خاص."
قال راكان البسام:
"تابعة لمن؟"
قال ممثل البلدية:
"هذا ليس سؤالًا ميدانيًا."
قال راكان البسام:
"صار كذلك."
قالت هيا العتيبي:
"مدار الساحل للتطوير. اكتبوا الاسم."
رفعت لمى الحربي صوتها:
"سجلناه. بالصوت والصورة."
قالت إحدى المتدربات:
"واضح في الفيديو."
تقدم رجل من خلف الحشد يحمل كاميرا أكبر من هواتف المتدربات. ثم ظهرت غادة المنصور، بثوب عملي ونظارة شمسية، شعرها مربوط بسرعة، وفي يدها مسجل صغير. لم تكن تبدو كمن وصل مصادفة؛ كانت تبدو كمن كان ينتظر أن ينفتح الباب الذي راقبته من بعيد.
قالت:
"غادة المنصور. سؤال مباشر: هل تؤكدون وجود نزاع ملكية على أرض ضمن طرح البسام؟"
قال راكان البسام:
"لا يوجد تصريح الآن."
قالت غادة المنصور:
"لكن وجودك هنا تصريح بصري."
قالت هيا العتيبي:
"اكتبي أن بيت نوال العتيبي لم ينتظر نشرة سوق ليدافع عن نفسه."
التفتت غادة المنصور إليها.
"هل لديك مستند أصلي؟"
قالت عبير الصالح:
"ليس لك."
قالت هيا العتيبي:
"للمحكمة. وليس لكاميرا تبحث عن عنوان فقط."
قالت غادة المنصور:
"العنوان سيخرج سواء تكلمتم أم لا. هل تؤكدين أن الوقف باسم خط والدتك؟"
"أؤكد أن هذا المكان ليس مخزنًا زائدًا في ملف تطوير."
قالت غادة المنصور:
"وهل راكان البسام كان يعلم؟"
نظرت هيا العتيبي إلى راكان البسام. لحظة قصيرة لكنها صنعت صورة كاملة للعدسات.
قالت:
"اسأليه ما الذي يعرفه الآن."
اتجهت الكاميرا إليه.
قال راكان البسام:
"أعرف أن أي إجراء هنا يتوقف حتى مراجعة كاملة."
قالت غادة المنصور فورًا:
"إذن أنت تؤكد وجود عائق قانوني."
قال مروان الفالح، لو كان موجودًا، لكان سمع انهيار جملة أخرى من جمل الطرح. لكن الموجودين سمعوا ما يكفي. همس الصحفي المصاحب لغادة المنصور في هاتفه، وبدأت الرسالة الأولى تخرج: رئيس البسام يوقف إجراء ميدانيًا في موقع مرتبط بوقف عائلي.
قال تركي القحطاني بصوت منخفض لراكان البسام:
"بهذا ستفسر الصحافة أنك تراجعت."
قال راكان البسام:
"أفضل من أن تفسر أننا هدمنا دليلًا."
قالت هيا العتيبي:
"الدليل ليس الجدران فقط. هناك أرشيف داخل."
قال ممثل البلدية:
"إذا كان هناك أرشيف، يُنقل بمحضر."
قالت عبير الصالح:
"محضركم يبدأ بالكسر وينتهي بضياع الكرتون."
قال الرجل:
"أنت تعطلين تنفيذًا."
قالت عبير الصالح:
"وأنت تهدد ممتلكات وقف."
اقتربت منها هيا العتيبي وهمست:
"عبير الصالح، ماذا تعرفين عن مدار الساحل للتطوير؟"
تحركت شفة عبير الصالح كأنها ستقول الاسم الذي بلعته في السيارة، لكن صوت المولد ارتفع، وصاح أحد العمال من جهة المعدة الصفراء:
"نرجعها أو نخليها؟"
قالت عبير الصالح بسرعة:
"ليس هنا. ليس أمامهم."
"الاسم مر عليك؟"
"نعم."
"في القرض؟"
خفضت عبير الصالح عينيها.
"أحتاج دقيقة واحدة أراجع الكشف قبل أن أحرقنا بجملة ناقصة."
قالت هيا العتيبي:
"الدقيقة ليست غفرانًا."
"أعرف."
عاد صوت راكان البسام أعلى:
"تركي القحطاني، اتصل بالمكتب القانوني للشركة واطلب ملف مدار الساحل للتطوير."
قال تركي القحطاني:
"لن يعطوني ملف شركة ذات غرض خاص في الشارع."
"قل إنني طلبته."
"فهد البسام قد—"
قال راكان البسام بحدة:
"لا تجعل فهد البسام مظلة كل مرة تخاف فيها من اسم على ورقة."
ظهر ياسر الدوسري عند طرف الحشد كما لو أنه خرج من ثنية في الشارع. لم يكن يلهث. كان يحمل حقيبة جلدية وملفًا أخضر، وقد التصق قميصه عند الياقة من الرطوبة، لكنه ظل محتفظًا بتلك الدقة التي تزعج الناس في وقت الفوضى.
قال:
"الوقت لا يكفي للخطابات. هيا العتيبي، هذه مسودة طلب وقف عاجل. القاضي المناوب يستطيع النظر في إجراء تحفظي إذا أثبتنا خطر الإزالة."
قال راكان البسام:
"لا أحد طلب حضورك."
قال ياسر الدوسري:
"الخطر دعاني."
قالت هيا العتيبي:
"قلت لك: لا تتحدث باسمي."
"لن أفعل. سأعطيك ورقة. أنت تقررين."
مد الملف نحوها، لكنها لم تأخذه. أخذته عبير الصالح وفحصت الصفحة الأولى بسرعة.
قالت عبير الصالح:
"طلب منع تعرض وإثبات حالة. مرفق خانة للصور، وخانة لأرقام المحاضر، وخانة لسند الحيازة."
قال ياسر الدوسري:
"وملحق لإلزام الجهة التنفيذية بإبراز سند النقل اللاحق."
قال راكان البسام:
"ومن أعطاك اسم النقل؟"
"الشارع يتكلم أسرع من مجالس الإدارات."
قالت هيا العتيبي:
"ما الذي تحتاجه المحكمة الآن؟"
قال ياسر الدوسري:
"ثلاثة أشياء: صورة الوقف، إثبات صفة القائم عليه، وربط النزاع العائلي بالملكية إذا كان الوارث محل النزاع هو زياد بن راكان البسام. وفي ملف الزواج، سيظهر السؤال القاتل: أين إيصال الطلاق؟"
قال راكان البسام:
"لماذا الإيصال؟"
قال ياسر الدوسري:
"لأنهم سيقولون إن الزواج انتهى قبل أي أثر يتعلق بالوارث. إذا كان الطلاق وقع رسميًا، هناك مسار، رقم، إيصال، إشعار، قيد. إذا لم يوجد، فغيابه ليس فراغًا بريئًا."
قالت هيا العتيبي:
"الملف اختفى من المحكمة."
قال ياسر الدوسري:
"إذن نثبت الاختفاء. من كان الموثق؟"
قالت هيا العتيبي دون تردد:
"ماجد الزهراني."
تحرك شيء في وجه راكان البسام.
قال:
"ماجد الزهراني تعامل مع ملفات عبدالعزيز البسام."
قال ياسر الدوسري:
"هذا يجعله مهمًا."
قالت هيا العتيبي:
"هو من مرر إشعار الطلاق المزعوم. وهو الذي يعرف إن كان هناك أصل أو كربونة أو قيد لم يكتمل."
قال راكان البسام:
"أين هو الآن؟"
قال ياسر الدوسري:
"سؤال جيد. لكن قبل أن تذهبوا إليه، هناك من سيذهب قبلكم."
قالت هيا العتيبي:
"وليد الشمري."
رفع ياسر الدوسري حاجبه قليلًا، ثم أخفضه كمن تذكر أن التعبيرات الزائدة قد تكشف أكثر مما يريد.
"إذن تعرفين الخطر."
قال راكان البسام:
"وليد الشمري يعمل لمن؟"
قال ياسر الدوسري:
"لمن يدفع كي لا يصل الظرف إلى المحكمة."
قال راكان البسام:
"أنت تعرف أكثر مما تقول."
"وأنت تقول أقل مما تعرف."
تدخلت غادة المنصور:
"هل يتحدث هذا عن طلاق مزور؟"
قالت هيا العتيبي بصوت قاطع، لكنه لم يكن العبارة القديمة نفسها التي اعتادت استعمالها:
"تكتبين كلمة مزور عندما تملكين حكمًا. الآن اكتبي: هناك مستندات مفقودة يترتب عليها حق وقف وحق وارث."
قالت غادة المنصور:
"ومن هو الوارث؟"
ارتفع التوتر حول هيا العتيبي. اسم زياد بن راكان البسام لم يكن مجرد اسم هنا؛ كان صدر ابن بعيد عن الشارع، لكنه حاضر في كل ضربة مطرقة محتملة.
قال راكان البسام قبلها:
"لا تذكري ابنًا في خبر مالي."
قالت غادة المنصور:
"إذا كان مالكًا محتملًا—"
اقترب راكان البسام خطوة، لا تهديدًا جسديًا، بل كجدار نبرة.
"اكتبي: وارث محل نزاع. لا اسم. لا مكان."
نظرت غادة المنصور إلى هيا العتيبي.
"هل توافقين؟"
قالت هيا العتيبي:
"أوافق على حماية اسمه من فضولكم، لا من حقه."
قال ياسر الدوسري:
"هذا جيد. سيظهر أمام القاضي، لا أمام الجمهور."
قالت هيا العتيبي:
"أنت تستعجل طريقك إلى وكيلي."
"وأنت تستعجلين فقدان ساعة قضائية."
قالت عبير الصالح:
"نستطيع تقديم الطلب دون وكالة كاملة؟"
قال ياسر الدوسري:
"بلاغ عاجل وإثبات حالة ممكنان بصفتها متضررة وحائزة للأرشيف. لكن لملف الزواج نحتاج سندًا أقوى. نحتاج ماجد الزهراني أو أثرًا مكتوبًا منه."
قال راكان البسام:
"سأرسل من يحضره."
قالت هيا العتيبي:
"لا."
توقف.
قالت بصياغة مختلفة، أهدأ وأقسى:
"لن ترسل رجال البسام إلى الرجل الوحيد الذي قد يحمل عكس روايتكم."
قال ياسر الدوسري:
"أتفق معها."
قال راكان البسام:
"لم أطلب رأيك."
"لكن المحكمة ستطلب النتيجة. إذا وصل ماجد الزهراني بوجه خائف وظرف ناقص، ستصبح نيتك جزءًا من القصة."
قالت هيا العتيبي:
"سأتصل به."
قالت عبير الصالح:
"هاتفه قد لا يكون آمنًا."
قالت هيا العتيبي:
"إذن بمنيرة الزهراني؟"
قال ياسر الدوسري:
"لا تفعلي من هنا. كل هاتف حولنا يسجل بطريقة أو بأخرى."
قال راكان البسام:
"سأوفر خطًا قانونيًا."
قالت هيا العتيبي:
"خطك ليس ملجأ."
قال:
"ولا شارع مزدحم ملجأ."
قالت عبير الصالح:
"نحتاج مكانًا داخل المشغل. هناك غرفة الخزائن."
قال ممثل البلدية فورًا:
"لا دخول. الموقع تحت إجراء."
استدارت إليه هيا العتيبي.
"هذا مشغلي."
"لا أستطيع السماح بدخول أشخاص إلى مبنى قد يكون غير آمن."
قالت لمى الحربي من الخلف:
"كنا نعمل فيه أمس."
قال الرجل:
"وجودكم السابق لا يعني السلامة."
قالت عبير الصالح:
"والجرافة تعني حرصكم علينا؟"
قال راكان البسام:
"يدخل ثلاثة أشخاص: هيا العتيبي، عبير الصالح، ومحاميها إن اختارته. لا يدخل أي عامل. ولا تتحرك معدات."
قال ممثل البلدية:
"لا صلاحية لك على الجهة الرسمية."
قال راكان البسام:
"لدي صلاحية على كل شخص هنا يتقاضى من ملف تطوير له علاقة بالبسام، وسأطلب الآن الشرطة لإثبات منع صاحبة الحيازة من دخول أرشيفها."
قال تركي القحطاني للرجل بصوت منخفض لكنه مسموع:
"دعهم يدخلون. كل شيء مصور."
قال ياسر الدوسري:
"سأدخل إذا وافقت هيا العتيبي."
نظرت إليه هيا العتيبي.
"تدخل بلا كلمة للصحافة."
"أتعهد."
قالت غادة المنصور:
"هذا إقصاء—"
قالت عبير الصالح:
"هذا بيت عمل، لا مؤتمر."
دخلت هيا العتيبي.
داخل المشغل، تبدل الهواء. الضجيج الخارجي صار مكتومًا وراء الجدران السميكة، لكن الرطوبة ظلت تسيل من السقف القديم. بكرات الخيط ملأت الرفوف مثل عيون ملونة. أثواب العرائس المعلقة في آخر القاعة غطتها أقمشة قطنية بيضاء، وبعضها انزاح عنه الغطاء ليكشف زركشة كثيفة حول الياقة. على الجدار صورة نوال العتيبي، واقفة بين نساء يضحكن، يدها على كتف فتاة شابة لم تكن إلا هيا العتيبي قبل أن يأخذها هذا اليوم إلى مكان آخر من العمر.
لم تلمس هيا الصورة. توقفت أمامها فقط، ثم مدت يدها إلى الثوب الصغير على كرسي نوال العتيبي. كان طرف الحاشية منثنيًا بفعل الهواء الذي أحدثه الرجال عند الباب. أعادته هيا العتيبي إلى مكانه، وسحبت الخيط الذهبي المتدلي برفق، لا لتكمله، بل لتمنعه من أن ينسل أكثر. كانت أول حركة لها داخل البيت حركة خياطة لا حركة حرب.
رأى راكان البسام الكرسي الفارغ، ودفتر الحساب المفتوح، وخط الطول على الجدار، والقارب الورقي على الطاولة. لم يكن في الأشياء اتهام صريح، وهذا ما جعلها أثقل. تذكر رسالة قديمة لم يفتحها كاملة؛ كلمة "زياد" كانت فيها كافية يومها ليغلق الهاتف ويختار راحة التصديق بأن العائلة "تتصرف". لم يكن مغفلًا تمامًا. كان، في لحظة ما، مرتاحًا لأن الكذب وفر عليه سؤالًا.
قال راكان البسام، وقد دخل خلفهم رغم نظرة ياسر الدوسري:
"كنت أعرف هذه الصورة."
قالت هيا العتيبي:
"كنت تعرف مكانها، لا معناها."
"جئت هنا مرة."
"جئت زوجًا يريد أن يرى كيف تصنع النساء أشياء لا يستطيع شراؤها كاملة."
قال بصوت منخفض:
"كنت فخورًا بك."
التفتت إليه، وفي عينيها حرارة لا علاقة لها بالطقس.
"لا تضع الفخر على رف بعد أن تركت الرف يسقط."
قال ياسر الدوسري وهو يضع الملف على طاولة القص:
"العاطفة ستنتظر. الورق لا."
قالت عبير الصالح:
"هنا الخزانة."
قادتهما إلى غرفة جانبية ضيقة. كانت الخزائن المعدنية مصطفة، وعلى كل واحدة ملصق بخط نوال العتيبي: رواتب، عقود، طلبات خاصة، أرشيف العائلات، وقف. فتحت عبير الصالح خزانة الوقف بمفتاح صغير كان معلقًا في سلسلة حول عنقها.
قال راكان البسام:
"كان المفتاح معك؟"
قالت عبير الصالح:
"منذ مرض نوال العتيبي."
قالت هيا العتيبي:
"أمي لم تكن تثق بالأدراج التي تُفتح بمجاملة."
أخرجت عبير الصالح ملفًا سميكًا. وضعته أمام هيا العتيبي. أوراق كثيرة، بعضها مصور، بعضها مختوم، وبعضها ملاحظات بخط يد واضح. سحبت هيا العتيبي نسخة المسح الضوئي للصك ووضعت بجانبها ورقة أخرى.
قالت:
"هنا أسماء القائمات. نوال العتيبي، ثم أنا. وبعدي من يثبت قيامه بالمشغل من ذريتها."
قال ياسر الدوسري:
"هل ورد اسم زياد بن راكان البسام؟"
قالت:
"في ملحق طلب تعديل القوامة، لم يكتمل بسبب اختفاء ملف الزواج."
قال راكان البسام:
"من منع اكتماله؟"
قالت:
"من جعل اسم ابنك سؤالًا بدل أن يكون جوابًا."
قال ياسر الدوسري:
"أحتاج صورة من هذا الملحق."
قالت هيا العتيبي:
"تأخذها عبير الصالح وترسل للمحكمة، لا لهاتفك."
قال ياسر الدوسري:
"مقبول."
من الخارج جاء صوت مرتفع. ثم صرخة قصيرة من لمى الحربي:
"ابتعدوا عن الخزائن!"
خرجت هيا العتيبي من الغرفة بسرعة. في القاعة الرئيسية، كان عاملان قد دخلا من الجهة الخلفية، ليس عبر الواجهة، بل من فتحة خدمة قديمة كانت تستخدم لإدخال الأقمشة الكبيرة. أحدهما يحمل شريط قياس، والآخر يدفع خزانة خيط طويلة عن الجدار.
صرخت عبير الصالح:
"من أدخلكم؟"
قال العامل:
"فحص إنشائي. قالوا نحدد نقاط الضعف."
قال راكان البسام وقد تغير وجهه:
"من قال؟"
ارتبك العامل ونظر نحو الخارج.
دخل تركي القحطاني بعده فورًا.
"أخرجوا."
قال العامل:
"أنت قلت—"
قال تركي القحطاني:
"قلت انتظروا خارجًا."
قالت هيا العتيبي:
"الكذب صار يتعثر فيكم."
تقدمت نحو خزانة الخيوط. كانت الخزانة قد تحركت مسافة كافية لتكشف عن مستطيل أفتح لونًا في الجدار، مكان لم تره الشمس ولا الغبار منذ سنوات. الخيوط التي سقطت على الأرض تداخلت مثل عروق مقطوعة: ذهبي فوق أخضر، أحمر فوق أسود. رفعت إحدى المتدربات هاتفها من الخارج عبر الفتحة.
قالت لمى الحربي:
"كل شيء مسجل."
قال راكان البسام للعاملين:
"اخرجا الآن."
قال أحدهما:
"لكن الجدار—"
"اخرج."
خرجا. بقيت الخزانة مائلة، كأنها كشفت سرًا ولم تعرف كيف تعود إلى مكانها. اقتربت عبير الصالح، ومدت يدها إلى الحافة.
قالت هيا العتيبي:
"تمهلي."
قالت عبير الصالح:
"هناك فراغ خلفه."
قال ياسر الدوسري:
"لا تلمسوا شيئًا قبل تصوير موضعه."
قالت هيا العتيبي:
"لمى الحربي، صوري من مكانك. غادة المنصور لا تدخل."
جاء صوت غادة المنصور من الخارج:
"ما الذي وجدتموه؟"
قالت عبير الصالح:
"وجدنا سببًا لتصمتي دقيقة."
انحنى راكان البسام عند الجدار. لم يمد يده. رأى خطًا رفيعًا حول قطعة طينية مختلفة، مثبتة بعناية. على طرفها مسمار قديم مطلي بلون الجدار. قال:
"هذه ليست من البناء الأصلي."
قالت هيا العتيبي:
"كيف تعرف؟"
"لأن من يخفي شيئًا لا يستدعي مقاولًا. يستدعي شخصًا يعرف البيت."
قال ياسر الدوسري:
"أو يعرف ماذا يجب أن يبقى حتى لحظة معينة."
أخرج هاتفه ووضعه أمامه للتصوير على الطاولة القريبة، من دون أن يلمس الجدار.
قالت هيا العتيبي:
"لا تبث."
"تسجيل فقط."
قالت عبير الصالح:
"نحتاج شاهدًا محايدًا."
قال راكان البسام:
"خالد السبيعي."
قالت هيا العتيبي:
"هو في البرج."
"أستطيع طلبه."
قال ياسر الدوسري:
"الشرطة أو كاتب محكمة أفضل."
قالت هيا العتيبي:
"صالح العمري؟"
قال ياسر الدوسري:
"إذا جاء من المحكمة سيتعرض للاتهام بأنه طرف. لكن يمكن طلب إثبات حالة عبر القاضي."
قال راكان البسام:
"الوقت لا يسمح. العمال رأوا الموضع. إذا خرجنا، سيعود غيرهم."
قالت هيا العتيبي:
"إذن نفتحه أمام التسجيل والشهود."
قال ياسر الدوسري:
"هذا قد يطعن فيه."
قالت:
"والترك قد يضيعه."
تقدم تركي القحطاني بخطوة.
"أنا أشهد أن الخزانة تحركت أثناء دخول عمال الفحص، وأن الموضع ظهر بعدها."
قالت هيا العتيبي:
"وتشهد من أمرك بإدخالهم."
قال تركي القحطاني:
"لم آمرهم بالدخول."
قال راكان البسام:
"ستقول هذا مكتوبًا."
قال تركي القحطاني:
"أقول."
قالت عبير الصالح:
"افتحوا."
بحثت في درج قريب وأخرجت مفكًا صدئًا كانت الخياطات يستعملنه لإصلاح قواعد الماكينات. ناولته لهيا العتيبي، لكن هيا لم تأخذه. نظرت إلى راكان البسام.
قالت:
"أنت."
تجمد.
"أنا؟"
"إذا كان في الداخل شيء يخص بيتك، فلتكن يدك أول من يكشفه أمامنا."
قال ياسر الدوسري:
"هذا رمزي أكثر مما هو قانوني."
قالت هيا العتيبي:
"اليوم الرموز تترك آثارًا في التسجيل."
أخذ راكان البسام المفك. لم يكن معتادًا على أدوات صغيرة متعبة كهذه. قربه من الجدار، ثم توقف.
قال لهيا العتيبي:
"إذا خرج شيء يؤذيك—"
قالت:
"لقد خرجتم أنتم قبله."
غرز طرف المفك عند حافة القطعة الطينية. تفتتت طبقة رقيقة، وارتفعت رائحة تراب محبوس. لم تكن رائحة خراب، بل رائحة صندوق قديم في غرفة صيفية. ساعدته عبير الصالح بمفك ثانٍ، وبدأت القطعة تنفصل. لمى الحربي تصور من بعيد، وصوت تنفس المتدربات خلفها واضح في الفيديو.
قال تركي القحطاني من عند المدخل:
"هناك ناس بالخارج يسألون."
قال ياسر الدوسري:
"قل لهم إن العمل متوقف لحين إثبات حالة."
"ومن أنت لتقول—"
قالت هيا العتيبي دون أن تلتفت:
"قل لهم هذا باسمي."
خرج تركي القحطاني.
انفصلت القطعة أخيرًا. خلفها تجويف صغير مبطن بقماش زيتي داكن. مد راكان البسام يده ثم سحبها.
قال:
"يجب أن تخرجيه أنت."
قالت هيا العتيبي:
"لا. أكمل."
لم يجادل. أدخل يده بحذر، وأخرج صندوقًا معدنيًا مستطيلًا، أثقل مما بدا. كان مغبرًا، محكم الإغلاق بشريط معدني قديم، وعلى سطحه علامتان واضحتان رغم الزمن: حرفا نوال العتيبي محفوران بخط عربي صغير، وبجوارهما شعار عائلة البسام محفورًا في زاوية النحاس، لا مطبوعًا ولا ملصقًا، كأنه صنع خصيصًا ليبقى.
سقطت من عبير الصالح شهقة قصيرة.
قالت لمى الحربي من الخارج:
"ظهر واضح. الحروف واضحة."
اقتربت هيا العتيبي من الصندوق. لم تلمسه. قرأت الحرفين، ثم الشعار. عيناها لم تدمعا؛ صارتا أصلب، كأن كل حزن فيها قرر أن يلبس هيئة دعوى.
قال ياسر الدوسري بهدوء شديد:
"هذا يغير ترتيب الطلب العاجل."
قال راكان البسام وهو ينظر إلى شعار عائلته على صندوق مخبأ في بيت نوال العتيبي:
"وهذا يغير ترتيب العائلة."
في اللحظة نفسها، دخل تركي القحطاني مرة أخرى، وفي يده ورقة سحبها من ممثل البلدية بعد جدال قصير عند الباب. كان وجهه قد اختار الخطر كاملًا هذه المرة.
قال:
"هذه نسخة التفويض الميداني التي كانوا يخفونها في الملف البلاستيكي."
مد الورقة إلى راكان البسام، لكن هيا العتيبي أخذتها أولًا. كانت في أسفلها صيغة تفويض لمصلحة شركة مدار الساحل للتطوير، وتحتها توقيع واضح باسم فهد البسام.
ساد صمت لم يصنعه الخوف فقط، بل الدليل عندما يجد صوته.
من الخارج، ارتفع صوت غادة المنصور:
"ما الذي وجدتموه؟ هل هناك وثائق؟"
لم تجب هيا العتيبي. في يدها الورقة، وأمامها الصندوق، وعلى هاتفها الذي كان موضوعًا فوق طاولة القص أضاءت رسالة صوتية قصيرة من زياد بن راكان البسام. لم يظهر مكانه، ولم يظهر وجهه، فقط اسمه على الشاشة، ثم صوته حين ضغطت دون أن تقصد:
"أمي، هل هدموا بيت جدتي؟"
توقف الهواء في المشغل.
مدت هيا العتيبي يدها أخيرًا، وضعت كفها فوق الحرفين المحفورين باسم أمها، ثم رفعت عينيها إلى راكان البسام.
قالت:
"الآن ستعرف لماذا بنَت أمي بيتها بجدران لا تثق إلا بمن يكسرها."
لم تكن الجملة قد انتهت في المكان حين اهتز هاتف عبير الصالح بإشعار جديد. نظرت إليه، فاختفى ما تبقى من لون وجهها. لم تعد تحتاج إلى الدقيقة التي طلبتها عند الباب.
قالت هيا العتيبي من دون أن ترفع يدها عن الصندوق:
"من دفع القرض؟"
بلعت عبير الصالح ريقها، ثم قلبت الشاشة نحوها.
كان في السطر الأول اسم شركة مدار الساحل للتطوير. وفي خانة الاعتماد الداخلي، ظهر اسم لم يكن وسيطًا ولا غامضًا.
قالت عبير الصالح، بصوت محاسبة تعرف أن الرقم صار خنجرًا:
"اعتماد السداد خرج بتوقيع فهد البسام."