قال راكان البسام أخيرًا، وعينه على الدفتر المفتوح لا على هيا العتيبي:
"استراحة طارئة. عشرون دقيقة."
ردت حصة المطيري بسرعة كأنها كانت تنتظر أي لفظة تتشبث بها:
"أحتاج صياغة سبب الاستراحة في المحضر."
قال من غير أن يلتفت إليها:
"اكتبي: مراجعة إفصاح جوهري طارئ."
قال مروان الفالح من الشاشة:
"أريد أن يكون واضحًا أن المصرف لم يوافق على أي اعتماد خلال هذه الاستراحة."
قال خالد السبيعي:
"وأنا سأبقى في القاعة. لا تُنقل أصول الوثائق خارج النطاق الذي اتفقنا عليه."
مد راكان البسام يده إلى زر صغير بجانب مقعده. انفتح باب جانبي لم يكن ظاهرًا تمامًا خلف كسوة الجدار. لم يكن باب خروج للضيوف؛ كان بابًا مخصصًا لمن لا يحبون المرور في الممرات العامة عندما تتعثر القرارات، وحين يريدون أن تبدو الأزمة كأنها ما زالت تحت السيطرة.
نظر إلى هيا العتيبي.
"تعالي."
قالت عبير الصالح فورًا:
"هيا العتيبي لا تدخل معك وحدها."
أدار راكان البسام وجهه إليها، وكان في فمه كلام كثير اختار ألا يقوله.
"لن يلمس أحد الدفتر."
قالت عبير الصالح:
"ليست الوثيقة وحدها ما يهمني."
اهتز هاتف عبير الصالح بإشعار مصرفي قصير. لم تفتحه. انزلقت عينها لحظة إلى طرف الملف الأزرق في حقيبة هيا العتيبي، ثم لمست زاويته بإبهامها كمن يتأكد أن الشيء ما زال في مكانه. رفعت بصرها سريعًا قبل أن تلحظ هيا العتيبي ارتباكها.
قالت هيا العتيبي وهي تغلق الدفتر بحزامه المطرز، لا بحركة حماية قديمة بل كمن ينهي فقرة حساب:
"أبقى قريبة منكِ. الباب مفتوح."
قالت عبير الصالح:
"إذا أُغلق، أدخل."
قال راكان البسام:
"ليس هذا بيتكم."
قالت عبير الصالح:
"ولا هو حصنكم كما كان."
لم يجبها. تقدم إلى الباب الجانبي. تبعته هيا العتيبي، وفي يدها الدفتر وفي كتفها حقيبة صغيرة ظهر طرف ملف أزرق داخلها. كان الأصل ثلاثة كما قالت عبير الصالح: الدفتر في يدها، الشريط في الكيس القماشي داخل الحقيبة، والملف الأزرق عند كتفها. لم تكن خطواتها سريعة ولا مترددة؛ كانت تمشي كمن يعرف أن كل ثانية تُحسب عليه وعليها، وأن الوقوف أحيانًا أخطر من الحركة.
خلفهما، بقيت حصة المطيري عند الطاولة. لم تنظر إلى الباب إلا بعد أن دخلا. ثم قالت بصوت مسموع بما يكفي ليصل إلى خالد السبيعي:
"سأرتب اتصال المستشارين."
قال خالد السبيعي:
"رتبيه، ولا ترتبي شيئًا آخر."
لم تجبه. أصابعها تحركت على جهازها اللوحي بخفة مدربة. على الشاشة الأمامية تبدلت صور المستشارين إلى مربعات انتظار، بينما انفتح على جانب جهازها بث داخلي صامت من الكاميرات: الممر التنفيذي، ثم الصالة الخاصة التي دخلها راكان البسام وهيا العتيبي. ظهر حول صورتهما إطار أحمر صغير وضعه النظام تلقائيًا عند اختيار زاوية المتابعة، كأن الشاشة نفسها قررت أن تحوّل جسدين يتكلمان بلا صوت إلى بند خطر.
لم يكن في البث صوت. لكنه لم يحتج إلى صوت كي تعرف حصة المطيري أن المعركة خرجت من الطاولة إلى مكان أخطر.
كانت الصالة التنفيذية ضيقة مقارنة بقاعة المجلس، لكنها أكثر كلفة؛ جدرانها مكسوة بخشب داكن تلمع فيه عروق بنية كأنها شقوق قديمة، وفي أحد الجوانب شاشات زرقاء باردة تعرض مؤشرات الشحن، أسعار العقود، تحديثات الاكتتاب، وجدولًا إلكترونيًا يتغير كل بضع ثوان. على رف منخفض، اصطفت مجسمات سفن وموانئ مصنوعة من معدن رمادي ثقيل. كانت هناك رائحة خفيفة لا تشبه المكتب: تبغ غير مشتعل، صمغ خشب، وشيء معدني صادر من الأجهزة.
دخل راكان البسام أولًا، ثم وقف في وسط الصالة كمن لم يعد يعرف أي كرسي يخصه. هيا العتيبي بقيت قرب الباب، تاركة بينهما مساحة محسوبة.
قال:
"أغلقي الباب."
قالت:
"قلت لعبير الصالح إنه سيبقى مفتوحًا."
"نحن لا نستطيع الكلام والقاعة كلها تسمع."
"إذن اختر كلمات لا تخجل منها."
تحرك إلى الباب وأبقاه مواربًا مقدار كف. لم يطلب أكثر. ثم عاد إليها.
"ماذا تريدين، تحديدًا؟"
قالت:
"سمعتها أمام الجميع."
"أريدها هنا بلا جمهور."
"الجمهور لم يغيّر المطلوب."
اقترب خطوة. كان الضوء الأزرق من الشاشات يقطع وجهه إلى مساحات حادة، ويجعل التعب حول عينيه أوضح مما أراد. لم يكن تعبه يثير شفقة هيا العتيبي؛ كان يثير غضبًا مختلفًا، لأن الجسد الذي أمامها عرفته ذات يوم خارج الحسابات، وها هو الآن يحمل كلفة كل ما لم يقل.
قال:
"أوقف الهدم اليوم. أعطيكِ أمرًا مكتوبًا خلال دقائق. أضع مبلغًا في حساب ضمان باسمك وباسم زياد بن راكان البسام حتى تنتهي المراجعة. نعين مكتبًا مستقلًا لفحص الوقف. ونصدر بيانًا لا يذكر الزواج ولا البنوة حتى لا نفتح علينا بابًا لا نستطيع قياسه."
قالت:
"هذا عرض رجل يريد إطفاء دخان لا معرفة مصدر النار."
"هذا عرض رجل يحاول منع انهيار شركة يعمل فيها آلاف الناس."
"والرجل نفسه يستطيع أن يقول جملة واحدة تمنع الكذب من أن يصبح نظامًا."
"أي جملة؟"
"أن هيا العتيبي زوجته القانونية حتى يقول القضاء غير ذلك. وأن زياد بن راكان البسام ابنه محل إقرار وفحص لا محل حذف. وأن أرض الوقف لا تُمس حتى يسمعها القاضي ناصر الحميدان."
مر ظل سريع على وجهه عند اسم زياد بن راكان البسام. لم يكن ظل إنكار؛ كان شيئًا أقرب إلى ارتطام متأخر. لكنه شد فكه، وأعاد صوته إلى مكانه.
"تطلبين مني أن أقدم رأسي لعائلة تنتظر خطأ، ولسوق لا يرحم، ولمحامين سيجعلون من الاسم قضية."
"لم أطلب رأسك. طلبت توقيعًا لا يهرب."
"كل توقيع الآن سيكون سكينًا."
"تعودت أن تكون السكاكين في جهتي."
سكت لحظة، ثم قال:
"لدي فريق قانوني يستطيع تفكيك دفتر نوال العتيبي في يوم واحد."
قالت بهدوء:
"جرب."
"سيقولون إن الهوامش ليست سندًا."
"سيجدون التحويلات."
"سيقولون إن التحويلات دعم تجاري."
"سيجدون الإشعار الذي لم يكتمل."
"سيقولون إن نقص الإجراء لا يبطل نية الطلاق."
"وسيُسأل ماجد الزهراني لماذا ترك علامة، ولماذا بقيت نسخة بطلان الطلاق خارج ملفكم."
قال بحدة خفيضة:
"ماجد الزهراني رجل قديم في ملفات قديمة."
"ولهذا هو خطر عليكم. القديم لا يعني ميتًا."
وقفا متقابلين. لم يكن بينهما إلا طاولة جانبية عليها جهاز تحكم وكوب ماء لم يفتحه أحد. مد راكان البسام يده إلى الزر الصغير في معصمه؛ لم يكن قلمًا هذه المرة بل ساعة ذكية. ضغط على الشاشة، وظهر اتصال داخلي. لم يجره. تركه مضاءً، كتهديد مؤجل.
قال:
"أستطيع أن أطلب الآن أمرًا تحفظيًا يمنعك من نشر الوثائق بدعوى سرية معلومات مرتبطة بطرح عام."
قالت:
"وأستطيع أن أذهب إلى هيئة السوق المالية ومعي أن رئيس مجلس الإدارة حاول إسكات طرف في نزاع مؤثر بأمر تحفظي قبل مراجعة الوقائع."
"أستطيع أن أتهمك بالتشهير."
"وأستطيع أن أطلب من المحكمة تثبيت مسار الشهادة قبل أن يختفي شاهد آخر كما اختفى ملف الزواج."
ضاق نظره.
"تعرفين أن ملف الزواج مفقود."
"أعرف ما يكفي لأفهم أن التأخير ليس حيادًا."
قال:
"من يحرككِ؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة بلا فرح.
"لو كان أحد يحركني، لما وصلت إلى هنا حية بهذا القدر من الغضب."
"الغضب لا يصنع خطة كهذه."
"بل يصنعها حين يجد محاسبة مثل عبير الصالح، ودفترًا تركته نوال العتيبي، وموظفًا في المحكمة خاف أن يختفي طلب آخر."
كان اسم صالح العمري كأنه خرج من جدار المحكمة إلى الصالة. راكان البسام لم يسأل عنه؛ يعرف أن السؤال يمنح الاسم قيمة إضافية.
قال:
"كم تريدين؟"
لم يتغير وجهها فورًا. وهذا أخافه أكثر من صراخها.
قالت:
"أعد السؤال."
"سأضع رقمًا لا يستطيع مشغلك أن يجنيه في ثلاثين سنة."
"أعد السؤال بطريقة لا تهين نفسك."
"هيا العتيبي—"
"لا تستدعِ اسمي كأنه زر طوارئ."
"أحاول حلًا."
"بل تحاول شراء الوقت."
"الوقت هو الشيء الوحيد الذي نحتاجه الآن."
"أنا أحتاج وقف الجرافات. أحتاج ورقة علنية. أحتاج موعدًا أمام القاضي ناصر الحميدان لا تحاصره اتصالات فهد البسام."
قال:
"فهد البسام لن يتلقى مني تفويضًا."
"كان يأخذ أكثر من التفويض دائمًا."
"لا تتكلمي كأنكِ تعرفين بيتي أكثر مني."
"أعرف ما فعله بيته حين أغلق بابه في وجهي."
اقترب منها حتى صار صوته لا يحتاج إلى ارتفاع. كانت في عينيه قسوة، نعم، لكن تحتها شيء غريب: إصرار رجل يخاف أن يسمع ما ظل ينجو من سماعه. هيا العتيبي لم تتراجع. ومع ذلك، أحست بذاك الارتباك القديم في الجسد؛ ليس خوفًا خالصًا، ولا رغبة خالصة، بل ذاكرة عضلية لسنوات لم تلتئم. في الماضي، كان قربه يربك ترتيبها الداخلي. اليوم، جعلت الارتباك يقف خلف الكلام.
قال:
"لماذا لم تأتيني قبل خمس سنوات؟"
قالت:
"أتيت."
"لم تصلي إليّ."
"هذه ليست براءة. هذه إدارة."
"كنت خارج البلاد في بعض تلك الفترة."
"والرسائل؟"
"أي رسائل؟"
فتحت حقيبتها. لم تُخرج الدفتر أولًا، بل كيسًا قماشيًا صغيرًا مطويًا. كان هذا هو الأصل الثاني، الشريط، لا الدفتر ولا الملف الأزرق. من داخله أخرجت شريط تطريز بعرض إصبعين، عليه وحدات دقيقة من خيط خمري وأخضر داكن، وفي طرفه رمز مشغول بشكل لا يبدو للعين العادية إلا زخرفة مكررة.
قال راكان البسام:
"ما هذا؟"
قالت:
"كود تسليم."
"كود؟"
"نوال العتيبي كانت تضع لكل طلب خاص علامة داخل الغرزة. لا يعرفها إلا من يعمل في المشغل. هذا الشريط خرج مع طرد إلى بيت الجوهرة البسام."
لمس الاسم شيئًا داخله. أمه. المسبحة. الصمت. لكنه حافظ على صوته جافًا:
"وماذا يثبت؟"
"انظر إلى التتابع. خمس غرز خمرية، غرزة مقلوبة، عقدتان خضراوان، ثم فراغ صغير."
قال:
"لا أفهم التطريز."
"كنت تفهم أكثر مما تقول. مرة اخترت لي خيطًا أزرق وقلت إنه لون بحر هادئ، فضحكت نوال العتيبي وقالت لك إن البحر لا يدخل في ثوب العيد إلا إذا عرف صاحبه طريق العقدة. يومها علمتك كيف تقرأ فراغًا صغيرًا بين غرزة وأخرى."
لم يبتسم. لكنه تذكر. تذكر سفرة قصيرة في مشغل ضيق، وطبقًا تركته نوال العتيبي له قرب النافذة لأنه تأخر عن الغداء، وهيا العتيبي تمسك يده لا لتلمسها بل لتمنعه من شد الخيط فيقطع القماش.
قال بصوت أخفض:
"لم أتعلم بما يكفي."
قالت:
"لم تكن بحاجة لأن تفهمه كله. كنت بحاجة أن تقرأ الرسالة التي أُرسلت معه."
"أية رسالة؟"
"رسالة حمل."
الكلمة لم تسقط بصوت عالٍ، لكنها جعلت الأجهزة من حولهما تبدو أكثر صخبًا. على الشاشات، تغير رقم أزرق إلى أحمر. لم ينظر إليه أحدهما.
قال راكان البسام:
"إلى الجوهرة البسام؟"
"نعم."
"لم تخبرني."
"لم تجب."
"ربما لم تصل."
"وصلت."
"كيف تعرفين؟"
رفعت الشريط بينهما.
"هذا الرمز يعني أن المستلم فتح الطرد وأعاد غلافه مع الختم الداخلي. يومها عرفت أن الخبر وصل إلى بيتكم. وفي اليوم نفسه وصلني إشعار أن الطلاق تم."
هنا لم يستطع أن يبقي المسافة كلامية. أخذ الشريط من يدها. لم تخطفه منه؛ تركته له كما يترك الشاهد سلاح الجريمة للقاضي. كان القماش صغيرًا جدًا في يده الكبيرة، ومع ذلك بدا أثقل من العقود التي كان يوقعها.
قال:
"ما التاريخ؟"
قالت:
"مطرز داخل الفراغ."
"أين؟"
أشارت لا بإصبع اتهام، بل بطرف قلم صغير أخرجته من حقيبتها. قربت الشريط من الضوء الأزرق، فظهرت ثلاث عقد بالكاد تُرى، موزعة كأرقام مخفية. لو كانت كاميرا قريبة بما يكفي لرأت الخيوط كأنها خريطة صغيرة: خمس غرز، عقدتان، فراغ، وتاريخ يختبئ في موضع لا يراه إلا من يعرف اللغة.
"اليوم الذي عرفت فيه أنني حامل. واليوم الذي قالوا فيه إنك طلقتني."
قال:
"هذا مستحيل."
"المستحيل كلمة مريحة لمن وجد غيره يدفع ثمن الممكن."
"كنت سأعرف."
"من؟ فهد البسام؟ عبدالعزيز البسام؟ الجوهرة البسام؟ من منهم كان سيضع الخبر على مكتبك وفيه اسم امرأة لم يريدوا استمرارها؟"
قال وهو يعيد الشريط ببطء:
"لا تدخلي أمي في الأمر."
"أخرجها أنت. قل إنها لم تر الرسالة. قل إن الختم كذب. قل إن الطرد لم يعد مفتوحًا. قل أي شيء يمكن أن يتحمل الوقوف أمام قاضٍ."
لم يقل. نظر إلى الشريط، ثم إلى فمها، ثم إلى عينيها كمن يبحث عن ثغرة في وجه لا يعرف كيف يكذّبه. كان بينهما ما هو أخطر من الشك؛ كان احتمال أن يكون كل واحد منهما قد عاش خمس سنوات في قصة كتبها شخص ثالث.
قال بصوت انخفض حتى صار خشنًا:
"لو كنت عرفتِ أنني لم أقرأ الرسالة..."
قاطعته:
"لا تبدأ الآن في صياغة حزن يناسبك."
"أنا لا أصوغ."
"بل تفعل. تريد أن تجعل ضياعي سوء توصيل."
"وأنت تريدين أن تجعليني جلادًا كاملًا."
"أريد أن أعرف أي جزء منك كان حاضرًا حين كُسر الباب عليّ."
"لم أكن هناك."
"هذه مشكلتي معك. غيابك كان دائمًا له توقيع."
لمعت في عينيه قسوة موجوعة.
"هل تظنين أنني لم أبحث عنك؟"
قالت فورًا:
"متى؟ بعد أن كبرت الشركة؟ بعد أن صار السؤال عن الماضي خطرًا على المستثمرين؟"
"بحثت عندما اختفيتِ من جدة."
"لم أختفِ. انتقلت إلى مكان لا يعرفه رجال فهد البسام."
"لم أرسلهم."
"لكنهم كانوا يجدون الطريق."
قال:
"من؟"
"رجال لا يقدمون بطاقات تعريف. سيارات تقف عند زاوية الشارع. اتصال بلا صوت بعد كل زيارة للمحكمة. رسالة تقول إن طلب المدرسة سيصير أصعب إن استمر اسمي في الملفات."
تغير وجهه. هذه المرة لم يكن تغير رجل يريد الدفاع؛ كان تغير رجل يفهم أن شيئًا يعمل باسمه دون أن يراه، أو ربما دون أن يسمح لنفسه برؤيته.
"لم تخبريني."
ضحكت مرة قصيرة، قاسية.
"أعود إلى الجملة نفسها؟ كيف أخبر رجلًا لا تصل إليه الرسائل إلا إذا ختمتها عائلته؟"
سار إلى الجدار الخشبي، وضع الشريط على الطاولة الجانبية بعناية لا تشبه غضبه، ثم أدار رأسه نحوها.
"أعطيني مكان زياد بن راكان البسام."
"لا."
"أحتاج أن أراه."
"هو ليس جزءًا من استراحتك الطارئة."
"هو ابني."
"إذن ابدأ بأن لا تجعل الاعتراف به مناورة."
"ألا تفهمين؟ كل دقيقة لا أعرف فيها مكانه تجعلني أشك في أنك تستخدمينه."
جاء ردها كصفعة نظيفة:
"لا تضع قذارتهم في فمي."
اقترب أكثر مما يجب. لم يلمسها، لكن وجوده ضغط على الهواء حولها. كان صوته مكسور الحواف:
"لا تكلميني عن ابني كأنني خصم في ملف."
"تصرفت كخصم قبل أن تعرف اسمه."
"لأنك دخلت إلى قاعتي بحرب."
"لأنك كنت ستوقع."
"كنت سأحمي ما بنيته."
"وأنا أحمي من ولدته."
هنا انكشف شيء بينهما. لم يكن حنانًا. لم يكن سلامًا. كان اعترافًا غريزيًا بأن كلمتي "بنيته" و"ولدته" اصطدمتا أخيرًا في غرفة واحدة. نظر إليها راكان البسام كما كان ينظر إليها في زمن سابق حين تغضب منه لأسباب صغيرة، قبل أن تصير الأسباب قبورًا مفتوحة. وهي رأت فيه، رغمًا عنها، الشاب الذي كان يضحك حين تخطئ في نطق مصطلح بحري، والذي كان يشتري لها خيوطًا لا تعرف ألوانها في السوق، ثم يضعها أمامها كاعتذار لا يجيد قوله.
اهتز هاتفها بإشعار قصير. لم يكن فيه موقع ولا صورة. ظهر على الشاشة قارب ورقي صغير مرسوم بقلم طفل، وتحت الرسم رسالة صوتية من زياد بن راكان البسام لم تفتحها أمامه. بقيت المعاينة وحدها كافية: "يمه، إذا رجعنا بيت جدتي أصلح لك القارب الكبير."
أطفأت الشاشة بسرعة. رأى راكان البسام القارب، ولم يسأل. كان الشريط بينهما أشد حضورًا من أي ذكرى، لكن القارب الورقي جعل الصمت أكثر قسوة.
قالت بصوت أقل حدة:
"لا تقترب من زياد بن راكان البسام بيد فارغة."
قال:
"ماذا تريدين أن أحمل؟"
"أمر وقف الهدم. إقرارًا بعدم إنكار الزواج حتى الفصل القضائي. طلبًا رسميًا لإعادة ملف الوقف إلى مساره. واسم فهد البسام خارج أي لجنة مراجعة."
"تطلبين أن أضرب عمي أمام العائلة."
"لا. أطلب أن تسحب السكين من يده."
"إذا فعلت ذلك اليوم، سينقلب عليّ."
"كان عليك أن تعرف أين يقف قبل أن تبني فوق أرض لا تعرف قصتها."
التفت إلى الشاشة التي تعرض جدول الهدم للمشاريع، وكأن ذكر الأرض نبه جهازًا في رأسه. لمس لوحة التحكم، فظهرت قائمة عمليات اليوم. مرر سريعًا بين البنود. توقفت عينه عند رمز أصفر بجانب مشروع يحمل اسمًا إداريًا محايدًا لا يشبه المشغل ولا البلدة ولا النساء اللواتي يعملن فيه.
قالت هيا العتيبي:
"ما هذا؟"
لم يرد. ضغط على الرمز. ظهرت رسالة داخلية مختصرة: "فريق الإزالة الميداني وصل إلى النطاق الخارجي. انتظار إشارة البلدية."
قال:
"هذا لا يعني أنهم بدأوا."
"يعني أنهم عند الباب."
"قلت لك سأوقفه."
"قل لهم الآن."
رفع الجهاز إلى أذنه. كان الاتصال داخليًا سريعًا.
"أوقفوا أي إجراء في موقع البلد. فورًا."
صوت بعيد أجابه. لم تسمعه هيا العتيبي، لكنها رأت وجهه يزداد انغلاقًا.
قال راكان البسام:
"لا يهم من أصدر أمر التحريك. أنا ألغيه."
توقف، ثم قال:
"أريد تأكيدًا مكتوبًا خلال دقيقتين."
أنهى الاتصال، ثم أضاف كمن يشرح لنفسه قبل أن يشرح لها:
"التنفيذ هناك بثلاث طبقات: مدير موقع البسام، ومقاول مدار الساحل الذي يملك المعدات، وإخلاء البلدية الإداري. أستطيع الآن أن أوقف طبقة الشركة فورًا. المقاول يتبع أمرنا إذا وصل مكتوبًا. أما أمر البلدية، فإذا بدأ مساره الميداني، فالمقاول يستطيع أن يختبئ خلف清اء إداري ويكمل الإخلاء ما لم يصدر سحب حكومي صريح أو اتصال مباشر من الجهة نفسها."
قالت:
"إذن لم توقف الهدم. أوقفت يدًا واحدة."
قال:
"وسأجعل اليدين الأخريين تتوقفان."
"من أصدره؟"
"ليس الوقت—"
"من؟"
"تركي القحطاني يدير موقع البسام."
"لا أسألك عن الذي يمسك الجدول. أسألك عن الذي سمح أن يتحركوا رغم اجتماع اليوم."
"سأعرف."
"بل تعرف، لكنك تحتاج أن تسمع الاسم من فمه حتى لا يصبح ذنبك."
قال بحدة:
"هيا العتيبي، أنا أقاتل أكثر من جبهة الآن."
"وأنا منذ خمس سنوات أقاتل جبهة لا تعلن اسمها."
رن جهازه مرة أخرى. نظر إلى الشاشة، ثم لم يرد.
قالت:
"فهد البسام؟"
لم يجب.
"إذن هو."
قال:
"لو رددت الآن، ستسمعين عرضًا أسوأ من عروضي."
"لا أخاف العروض."
"يجب أن تخافي من بعض الرجال حين يخسرون السيطرة."
"تعلمت هذا مبكرًا."
كانت الجملة تحمل أكثر مما قصدت إظهاره. انكمش شيء في وجهه.
"هل فعل أحد شيئًا لك؟"
"لا تجعل السؤال إنسانيًا بعد أن صار قانونيًا."
"أجيبي."
"لا."
لم يطمئن. لكنه لم يجد حقًا في الإلحاح.
في قاعة المجلس، كانت حصة المطيري لا تزال أمام شاشتها. رأت راكان البسام يقرب الشريط من الضوء، رأت وجه هيا العتيبي يتغير عند ذكر الحمل، ورأت الاتصال الذي أجراه بشأن الموقع. لم تسمع الكلمات، لكنها قرأت ما يكفي من حركة الفم لتعرف أن الأمر خرج من حدود المحضر.
قالت بصوت منخفض نحو جهاز الاتصال الداخلي الخاص بها:
"حوّلوا كاميرا الصالة إلى تسجيل مستقل."
جاءها صوت من النظام الأمني:
"الصوت غير مفعل في الصالة التنفيذية."
"لا أريد صوتًا. أريد صورة واضحة لكل ما تخرجه هيا العتيبي من حقيبتها."
صمت قصير.
"تم."
نظرت إلى الباب المواري، ثم إلى خالد السبيعي الذي كان يتحدث مع مروان الفالح في زاوية أخرى من القاعة. خفضت صوتها أكثر.
"أرسلوا موظفة من خدمات الوثائق إلى الممر. إذا خرج الدفتر لأي سبب، يُنسخ كاملًا."
الصوت قال:
"هل لدينا إذن؟"
قالت حصة المطيري:
"لدينا أزمة إفصاح تهدد الطرح. نفذوا دون احتكاك."
ثم فتحت ملفًا على جهازها، وكتبت رسالة إلى ريم السهلي:
"راجعي فورًا أي تعاملات تخص عبير الصالح. قروض، شيكات، مستحقات زكوية، تحويلات متأخرة، أي ثغرة ضغط أو تضارب. لا ترفعي شيئًا على النظام العام. أرسلي لي وحدي."
ظهرت النقاط الثلاث، ثم ردت ريم السهلي:
"هذا ليس ضمن مسار الإفصاح المعتاد."
كتبت حصة المطيري:
"أعرف. عاجل."
جاء الرد:
"هل الأمر قانوني؟"
توقفت حصة المطيري لحظة. كانت تعرف أن السؤال الصحيح قد يأتي من أقل شخص تتوقعه. كتبت:
"اجمعي معلومات عامة ومتاحة داخليًا فقط."
ثم أضافت بعد تردد قصير:
"ولا تتركي أثر بحث ظاهر."
أغلقت الرسالة قبل أن تندم.
قال خالد السبيعي من خلفها:
"حصة المطيري."
استدارت.
"نعم؟"
"ما الذي ترسلينه خارج مجموعة المستشارين؟"
قالت بثبات مصنوع:
"تنسيق داخلي."
"أريده محفوظًا."
"كل شيء محفوظ."
"بما فيه ما لا تضعينه في المحضر؟"
تصلب كتفاها. لم تلمس نظارتها، لم تمسك المجلد، لم تلجأ إلى إيماءاتها المعتادة. اكتفت بأن قالت:
"أنت هنا لمراقبة الإفصاح، لا لمصادرة عملي."
قال:
"أنا هنا لأن الإفصاح صار يمشي على حافة اتهام."
قالت:
"ولو سقط الطرح بسبب اقتحام غير منظم، هل ستوقع أنت رواتب الموظفين؟"
قال:
"لن أدفع ثمن الرواتب بتصديق ناقص."
كان الرد قريبًا من جملة قيلت من قبل، لكنها لم تطابقها؛ ومع ذلك لامست العصب ذاته. حصة المطيري أدارت وجهها إلى الشاشة، وفي داخلها ارتفعت صورة فهد البسام وهو يقول لها منذ عامين: "الملفات لا تُدار بالنوايا." كانت تكره أنه محق أحيانًا. وتكره أكثر أنها أصبحت تستعمل طريقته.
في بهو البرج، كان الباب الدوار يدفع الداخلين والخارجين بوتيرة لا تعرف شيئًا عن الانهيارات الصغيرة في الطابق السابع والثلاثين. وقف ياسر الدوسري قرب مكتب الاستقبال، مرتديًا ثوبًا ناصعًا وغترة مضبوطة بعناية لا تبدو عفوية. كان يحمل حقيبة جلدية رفيعة، ويمسك هاتفه بيد لا تهتز. على شاشة هاتفه، كان تنبيه مالي عاجل من غادة المنصور يلمع بعنوان ناقص عن "نزاع وقف محتمل حول أصول مرتبطة بطرح البسام"، وتحته صورة ضبابية لواجهة مشغل قديم التقطت من زاوية منخفضة تشبه زاوية سيارة بلدية أو هاتف موظف سابق مرّ بالموقع قبل الفجر. لم تكن الصورة تكشف كل شيء، لكنها منحت الموقع رائحة كافية لمن يعرف أين يسأل.
أمامه موظف الأمن ينظر إلى شاشة الزوار.
قال موظف الأمن:
"لا يوجد لك موعد."
قال ياسر الدوسري:
"أعرف."
"إذن لا أستطيع رفعك."
"ارفع اسمي."
"إلى من؟"
"إلى راكان البسام."
كاد موظف الأمن يبتسم من جرأة الطلب، لكنه اكتفى بالقول:
"راكان البسام في اجتماع مغلق."
"لهذا أنا هنا."
"أحتاج جهة مستضيفة."
"اكتب: طرف قانوني في نزاع إفصاح قائم."
رفع موظف الأمن نظره.
"من قال لك إن هناك نزاعًا؟"
ابتسم ياسر الدوسري ابتسامة لا يظهر فيها سرور، بل توقع محسوب.
"البنايات العالية لا تكتم الأخبار حين تبدأ من المحكمة."
رن هاتفه. نظر إلى الاسم، ثم رد بصوت منخفض:
"نعم، صالح العمري."
على الطرف الآخر، جاء الصوت متوترًا ومكتومًا:
"لم أقل لك لتصعد وتعمل استعراضًا."
قال ياسر الدوسري:
"قلت إن طلب الوقف تحرك، وإن ملف الزواج مفقود، وإن هيا العتيبي ذهبت إلى البرج. لم تقل أكثر من ذلك."
"قلت لك لأنني خفت أن يدفنوه قبل أن يصل إلى القاضي ناصر الحميدان."
"وأنا أمنع الدفن."
"بطريقتك أنت؟"
"طريقتي فعالة."
"أنت لا تعرف ما يجري داخل اجتماعهم."
نظر ياسر الدوسري إلى تنبيه غادة المنصور، ثم إلى موظف أمن يهمس مع زميله، ثم إلى شاشة المصاعد التي حُجز أحدها للطابق التنفيذي. انفتح باب المصعد ثم انغلق بلا أن يسمح له أحد بالدخول، وبقي اسمه عالقًا على بطاقة زائر لم تصدر بعد.
"لا أحتاج أن أعرف الداخل كله. يكفيني أن أعرف أين تتساقط الحجارة."
قال صالح العمري:
"طريقتك تفتح أبوابًا لا تغلق."
قال ياسر الدوسري وهو ينظر إلى كاميرات البهو:
"الأبواب المغلقة هي التي صنعت هذا اليوم."
قال صالح العمري:
"لا تستعمل هيا العتيبي لتصفية حسابك مع آل البسام."
اختفى أثر الابتسامة.
"هي لا تحتاجني لأستعملها. تحتاج محاميًا لا يخاف اسمهم."
"وتحتاج أيضًا ألا تصبح قصتها وقودًا لغضبك."
قال ياسر الدوسري:
"الغضب وقود ممتاز إذا عرف السائق الطريق."
"أنا نبهتك كواجب. لا تجعلني أندم."
"تأخرت في الندم يا صالح العمري. الملف اختفى قبل أن تصل إليّ."
أنهى الاتصال قبل أن يسمع الرد. ثم التفت إلى موظف الأمن.
"هل رفعت اسمي؟"
قال موظف الأمن:
"أحتاج موافقة."
"اتصل بحصة المطيري."
"لا أستطيع إعطاء أسماء داخلية للزوار."
"قل لها إن ياسر الدوسري في البهو. وستقرر هي إن كانت تريدني أن أتكلم هنا أو فوق."
لم يحتج موظف الأمن إلى أكثر. ضغط على سماعة المكتب، وتحدث بصوت قصير. بعد لحظات، تغير وجهه.
"انتظر."
قال ياسر الدوسري:
"أنا أفعل ذلك منذ سنوات."
في الصالة التنفيذية، كان التوتر يتكاثر في زوايا المكان. راكان البسام كتب شيئًا على جهازه، ثم أرسل رسالة. هيا العتيبي لم تسأله؛ كانت تعرف أن الرجل حين يقرر إخفاء حركة أصابعه لن يشرحها بلطف. لكنه فاجأها بأن أدار الشاشة نحوها.
"هذا أمر مؤقت بوقف الهدم صادر مني إلى تركي القحطاني وإلى الإدارة القانونية وإلى مركبة التطوير. نسخة إلى حصة المطيري، ونسخة إلى فريق الموقع."
قرأت. كان النص مختصرًا، لكنه واضح: تعليق فوري لأي إجراء ميداني في موقع المشغل إلى حين مراجعة النزاع الوقفي.
قالت:
"أضف: يمنع إخراج أي محتويات أو أرشيف أو معدات."
ضغط على الجهاز وأضافها.
"وأضف: أي مخالفة تعد تجاوزًا مباشرًا لأمر رئيس المجلس."
نظر إليها.
"هل تملي عليّ سلطتي الآن؟"
"أجعلها قابلة للقياس."
كتب الجملة وأرسل.
"تم."
"أريد نسخة."
أرسلها إلى هاتفها. وصل الإشعار، لكنها لم تفتحه فورًا.
قال:
"الآن أعطيني وعدًا أنك لن تذهبي إلى هيئة السوق المالية قبل أن ننتهي من مذكرة المستشارين."
قالت:
"لا."
"أوقفت الهدم."
"أوقفت أمرًا على شاشة. أريد أن يتوقف الحديد على الأرض."
"لديكِ نص."
"ولي تجربة مع النصوص."
"إلى متى ستظلين تجعلين كل إجراء ناقصًا قبل أن يبدأ؟"
"إلى أن يصلني تأكيد من لمى الحربي أو من عند المشغل."
قال:
"لمى الحربي في الموقع؟"
"قريبة منه."
"لماذا؟"
"لأنها رأت إنذارًا لم يكن يجب أن يصل. ولأنها لم تتعلم بعد أن تصدق الشركات عندما تقول إن الخطأ إداري."
كان على وشك الرد حين وصل إلى جهازه إشعار آخر. هذه المرة لم يكن من فريقه القانوني. كان من الأمن الداخلي: "ياسر الدوسري في بهو البرج. يطلب الصعود. يقول إنه يمثل طرفًا قانونيًا في النزاع."
تغيرت عينا راكان البسام بطريقة جعلت هيا العتيبي تفهم قبل أن يتكلم.
قالت:
"من؟"
قال:
"ضيفك غير المعلن."
"قلت لك إنني لم أرسله."
"لكنه هنا."
"من؟"
"ياسر الدوسري."
للحظة، ظهر الاشمئزاز الصريح على وجهها.
"لا."
"لا ماذا؟"
"لا يدخل باسمي."
"لقد دخل البهو باسمك حتى لو لم تقولي."
"هو يبحث عن قضية، لا عني."
"ويعرف مكانك، ويعرف توقيتك، ويعرف أن الصحافة تحوم حول الموقع."
قالت:
"هذا لا يعني أنه مني."
"يعني أن هناك خطًا بين المحكمة والبرج والصحافة."
"وربما بين عائلتك ومن يريد حرقك قبل أن أحصل على حقي."
توقف. كانت الفكرة تستحق كرهًا جديدًا.
قال:
"فهد البسام لا يستدعي ياسر الدوسري."
"ربما لا. وربما يفعل إن كان يظن أن وجوده يلوثني."
"أنتِ تفكرين مثلهم الآن."
"تعلمت من خصوم بارعين."
قال وهو يكتب ردًا للأمن:
"لن يصعد."
قالت:
"لا تطرده بطريقة تجعله يقف أمام الكاميرات."
"إذن ماذا؟ أستقبله في الصالة وأمنحه مسرحًا؟"
"دعه ينتظر. لا تعطه رفضًا يستعمله."
نظر إليها نظرة خاطفة، وفيها إقرار مزعج بأنها محقة. كتب: "يبقى في البهو. لا احتكاك. لا تصريح. أبلغوا حصة المطيري."
قالت:
"وأنا سأرسل له رسالة."
"لا."
"إذا لم أرسل، سيزعم أنه يمثلني."
"وإذا أرسلتِ، سيحصل على رقمك وسياقك."
"هو لديه رقمي منذ قضية عاملات المشغل مع المورد القديم. لم آخذه محاميًا."
"لكنه يعرف كيف يظهر في صورة."
"وأنت تعرف كيف تمنع الصورة بألف كاميرا."
قال:
"هيا العتيبي، إن دخل ياسر الدوسري بيننا، لن يبقى شيء بيننا قابلًا للإنقاذ."
سألت ببطء:
"بيننا؟"
كأن الكلمة أفلتت منه قبل أن يختارها. نظر إلى الشريط المطرز على الطاولة، ثم قال:
"بين الملفات."
"لا تكذب في الغرفة التي تطلب فيها فرصة."
كان الصمت هذه المرة مختلفًا؛ ليس صمت القاعة الذي يسبق صياغة قانونية، بل صمت رجل وامرأة يعرفان أن كلمة واحدة قد تقلب ما تبقى من تماسكهما. الشاشات خلفه تعرض أرقامًا متحركة، لكن عينيه بقيتا عليها.
قال:
"خمس سنوات، وأنا أكره الطريقة التي انتهينا بها."
قالت:
"لم ننتهِ. هذا هو عطب المسألة."
"بالنسبة لي، قيل إنها انتهت."
"وبالنسبة لي، عشت النهاية كل يوم دون أن يعترف أحد أنها حدثت."
"هل تظنين أنني لم أدفع ثمنًا؟"
"دفعت من سمعتك؟ من نومك؟ من ثقتك؟"
"من نفسي."
قالت:
"احتفظت بالشركة."
"وخسرتك."
قالت بلا رقة:
"لم تبحث بما يكفي لتسمّي ذلك خسارة."
خطا نحوها، هذه المرة ببطء، وكأن كل جزء فيه يطلب إذنًا غير منطوق. كان بينهما أقل من ذراع. رأت أثر الإرهاق عند صدغه، ورأت عطرًا قديمًا في ذاكرة جلدها قبل أن ترده إلى الحاضر. لم يلمس وجهها. لم يمد يده. فقط قال:
"لو قلت لك الآن إنني لم أتوقف عن—"
اهتز هاتفها مرة أخرى. لم تكن الرسالة من رجل ولا من ذاكرة، بل من زياد بن راكان البسام: القارب الورقي نفسه في المعاينة، وسطر جديد قصير: "يمه، خبّي الدفتر زين." انكسرت الجملة التي كان راكان البسام يوشك أن يقولها قبل أن تولد.
قالت:
"لا."
"لم تسمعي."
"لأنني أعرف الكلمة التي تريد إنقاذها من تحت الأنقاض. لا تخرجها."
"لماذا؟"
"لأنها إن خرجت الآن ستخدمك أكثر مما تخدمني."
"أنتِ قاسية."
"أنا دقيقة."
"كنتِ ألين."
"كنت أصغر."
"وكنتِ تحبينني."
ارتجف الهواء حول الجملة. لم ترتجف هي. أو هكذا بدت.
قالت:
"هذا لا يصلح كدفاع."
"ليس دفاعًا."
"ولا كدليل."
"أعرف."
"ولا كأبوة."
أغمض عينيه لحظة، لا كاستسلام بل كمن ابتلع ردًا مريرًا.
"ماذا يصلح إذن؟"
رفعت الشريط المطرز من الطاولة ووضعته داخل الكيس القماشي.
"يصلح أن تتذكر أنني لم أبدأ من الكراهية. لذلك أنا أخطر."
قال:
"على من؟"
"على من يظن أن جرحي قابل للتسعير."
رن هاتفها قبل أن يجيب. لم يكن اتصالًا؛ كانت رسالة من رقم غير محفوظ، لكن الاسم ظهر في معاينة تطبيق قديم: ياسر الدوسري.
قرأت بصوت مسموع لأنها أرادت أن يسمع راكان البسام لا أن يظن:
"أنا في البهو. غادة المنصور ستنشر توسيعًا خلال ساعة. أستطيع تمثيلك أمام هيئة السوق المالية قبل أن يسبقك فريق البسام. لا تدخلي الصلح وحدك."
قال راكان البسام:
"ها هو."
كتبت هيا العتيبي بسرعة: "لا تمثلني. لا تتحدث باسمي. أي تواصل يكون بطلب مكتوب مني فقط."
تردد إصبعها فوق الإرسال، ثم ضغطت.
قال راكان البسام:
"جيد."
"لا تكافئني على رفض رجل كأنني اخترتك."
"لم أقل ذلك."
"فكرت."
"أفكر في أشياء كثيرة الآن."
"رتبها حسب الضرر."
"أنتِ دائمًا في أعلى القائمة."
قالها بتهكم خفيف، لكنه خرج محملًا بما لا يناسب التهكم. فالتفتت عنه كي لا يرى أنها فهمت. على الشاشات، ظهر إشعار صغير من حصة المطيري إلى راكان البسام: "ياسر الدوسري في البهو. أوصي بعدم أي تواصل مباشر. كذلك نحتاج نسخة كاملة من دفتر هيا العتيبي قبل مغادرة المبنى."
رأت هيا العتيبي السطر الأخير قبل أن يقفل الجهاز.
قالت:
"نسخة كاملة؟"
تجمد.
"هيا—"
"حصة المطيري تراقب؟"
"هذه صالة تنفيذية. الكاميرات لأمن المبنى."
"هل يوجد صوت؟"
"لا."
"كم شاشة تنظر إلينا الآن؟"
"لا أعرف."
"أنت لا تعرف أم لا تريد أن تقول؟"
فتح جهازه وأرسل رسالة قصيرة: "أوقفوا تسجيل الصالة فورًا. لا نسخ لأي وثيقة دون موافقة حاملها وبحضور خالد السبيعي."
ثم رفع رأسه.
"أرسلت."
"بعد أن قرأت."
"نعم."
"لو لم أرَ؟"
لم يملك جوابًا سريعًا.
قالت:
"هذه هي مشكلتي معكم. حتى حين تعرضون حماية، تتركون بابًا جانبيًا للسرقة."
"لم أعطِ الأمر."
"لكن الأمر خرج من بيتك."
"ليس كل من يعمل هنا يطيعني كما تتخيلين."
"إذن أعلن ذلك. أمامهم. أمام الهيئة. أمام فهد البسام."
قال:
"سأفعل إذا احتجت."
"أنت تحتاج الآن."
"كل إعلان له توقيت."
"والهدم له توقيت. والتسريب له توقيت. وياسر الدوسري في البهو له توقيت. وحدها الحقيقة يجب أن تنتظر جدولك؟"
عاد الاتصال إلى جهازه. هذه المرة من حصة المطيري. قبل.
قال من دون تحية:
"لا تُنسخ وثائق هيا العتيبي."
جاء صوتها واضحًا بما يكفي لتسمعه هيا العتيبي من قربه:
"نحتاج نسخة للعمل القانوني."
"بحضور خالد السبيعي فقط، وبموافقتها."
"إذا خرجت ومعها الأصل دون نسخة، سنكون عميانًا أمام تسريب لا نتحكم فيه."
قال:
"لن نسرق دليلًا بحجة الرؤية."
سكتت حصة المطيري نصف ثانية، ثم قالت:
"ياسر الدوسري في البهو."
"أعرف."
"وجوده يثبت أن المسار ملوث."
قالت هيا العتيبي بصوت عالٍ:
"قولي إنكِ تسمعينني يا حصة المطيري."
تردد صوت حصة المطيري، ثم جاء متماسكًا:
"أسمعك."
"إذن اسمعي هذه أيضًا: إذا اقترب أحد من الدفتر بلا موافقتي، أخرج من هذا الباب إلى خالد السبيعي ثم إلى هيئة السوق المالية. لا أحتاج ياسر الدوسري كي أعرف الطريق."
قالت حصة المطيري:
"أنتِ تضعين نفسك في مواجهة فرق قانونية ضخمة."
"وأنتِ تضعين نفسك في مواجهة كاميراتك."
قال راكان البسام:
"انتهى. أغلقي الخط."
قالت حصة المطيري:
"راكان البسام، عبير الصالح ليست طرفًا بريئًا ماليًا بالضرورة. أحتاج فحص—"
قاطعها:
"لا تلمسي عبير الصالح."
قالت:
"هي تحمل ملفًا قد يؤثر على طرح بمليارات."
"قلت لا."
"هل هذا أمر تنفيذي؟"
"نعم."
"سأسجله."
"سجليه."
أنهى الاتصال.
قالت هيا العتيبي:
"ستفعل رغم ذلك."
قال:
"حصة المطيري ليست غبية."
"الذكاء لا يمنع الأذى."
"سأوقفها."
"لا تعد بما لم تختبر قدرتك عليه."
قال:
"أنتِ لا تعطينني شبرًا."
"أعطيتك حياة كاملة ولم تعرف أين وضعتها."
وصل تأكيد إلى جهازه من تركي القحطاني، مدير موقع البسام. قرأه بصوت:
"تم استلام أمر التعليق. فريق الموقع ينتظر توجيه البلدية. لم يبدأ التنفيذ."
ارتخى كتفه نصف لحظة، كأن الجملة منحت الأزمة سقفًا مؤقتًا.
قالت هيا العتيبي:
"اتصل به أمامي."
"الرسالة كافية."
"اتصل."
كان سيجادل، ثم رأى وجهها. اتصل.
ظهر صوت تركي القحطاني عبر مكبر صغير، مهنيًا ومتوترًا:
"نعم، راكان البسام."
قال راكان البسام:
"أنت في الموقع؟"
"قريب منه."
"أريد أن أسمع منك: لا هدم، لا نقل، لا كسر قفل، لا دخول."
قال تركي القحطاني:
"أمر الشركة وصل، لكن أمر البلدية لم يُسحب. ممثل البلدية يقول إن رقم الإخلاء الإداري دخل التنفيذ، وإن المقاول يستطيع مواصلة清اء النطاق إذا لم يصلهم سحب شفهي من الجهة الحكومية نفسها."
"أنا لا أسألك عن البلدية الآن. من جهة البسام ومركبة التطوير ومقاول مدار الساحل، لا إجراء."
"نعم. من جهتنا، لا إجراء."
قالت هيا العتيبي فجأة:
"ومن الذي حرك المعدات صباحًا؟"
صمت الطرف الآخر.
قال راكان البسام:
"أجب."
قال تركي القحطاني:
"كان لدينا جدول سابق."
قال راكان البسام:
"من أعاد تفعيله؟"
"الإدارة العليا في مركبة التطوير."
"اسم."
طال الصمت لحظة، كأن تركي القحطاني يرى في الاسم الذي سيقوله بابًا يُغلق خلفه.
قال أخيرًا:
"وصلني عبر مكتب فهد البسام."
لم يبدُ الاسم مفاجأة بقدر ما بدا ختمًا على ظن جاهز. راكان البسام قال ببطء:
"أي أمر يأتيك من مكتب فهد البسام في هذا الموقع تتجاهله حتى أراجعك شخصيًا."
قال تركي القحطاني:
"هذا سيخلق مشكلة."
"المشكلة وصلت قبلك."
قالت هيا العتيبي:
"هل لمى الحربي هناك؟"
قال تركي القحطاني:
"من؟"
"متدربة المشغل."
"هناك فتاة تصور من بعيد. الأمن طلب منها الابتعاد."
اشتعل وجه هيا العتيبي.
"لا يلمسها أحد."
قال راكان البسام في الهاتف:
"لا تقتربوا منها. لا تصادروا هاتفها. هل فهمت؟"
"فهمت."
"أرسل لي صورة من الموقع الآن."
"نعم."
أنهى الاتصال.
قالت هيا العتيبي:
"إذا حدث لها شيء—"
"لن يحدث."
"هذه ليست جملة تملكها وأنت في الطابق السابع والثلاثين."
أراد أن يقول إنه يملك أكثر مما تعرف، لكنه ابتلعها. كانت اليوم تكسر كل جملة قديمة قبل خروجها.
في البهو، تلقى ياسر الدوسري رسالة هيا العتيبي. قرأها مرتين. لم يغضب. بالعكس، بدا كمن حصل على معلومة نافعة: هي لا تريد أن تُحسب عليه. وهذا يعني أنها تعرف سمعته. ويعني أيضًا أنها لم تغلق الباب إلى الأبد؛ فقط وضعت قفلًا رسميًا.
اقترب من مكتب الاستقبال مجددًا.
قال موظف الأمن:
"تم إبلاغ الإدارة. لن تصعد الآن."
قال ياسر الدوسري:
"أريد إيصال رسالة مكتوبة إلى هيا العتيبي."
"لا نستلم أوراقًا لطرف غير موظف."
"إذن إلى راكان البسام."
"لا."
"إلى حصة المطيري."
تردد موظف الأمن.
"ما مضمونها؟"
فتح ياسر الدوسري حقيبته وأخرج ورقة مطبوعة، ثم وضعها على المكتب دون أن يتركها.
"إشعار تمثيل محتمل. وتحذير من أي محاولة تسوية غير مفصح عنها في نزاع وقف مؤثر على طرح."
قال موظف الأمن:
"قلت محتمل؟"
"لأن هيا العتيبي ذكية بما يكفي ألا توقع لأحد في ممر."
"إذن لماذا أنت هنا؟"
مال ياسر الدوسري قليلًا، صوته لا يزال هادئًا:
"لأن بعض المعارك تبدأ قبل الوكالة."
في الأعلى، وصل إلى حصة المطيري إشعار من الأمن: "ياسر الدوسري يحاول تسليم إشعار قانوني."
قالت لنفسها، لا لأحد:
"بالطبع."
ثم نظرت إلى رسالة ريم السهلي الجديدة. فتحتها.
"وجدت قرضًا قصير الأجل باسم عبير الصالح مرتبطًا بضمان شخصي لمعدات المشغل، وتأخر سداد شهرين قبل عامين، ثم سداد كامل من حساب غير واضح. في سجل التنبيه القديم ظهر اسم جهة وسيطة محجوب جزئيًا: م.س.ت، وفي معاينة ثانية قبل أن تختفي ظهر مقطع: مدار... أحتاج وقتًا لتأكيد المصدر."
ردت حصة المطيري:
"أرسلي التفاصيل."
ثم توقفت. كان خالد السبيعي يتحرك في القاعة، أقرب مما ظنت. أغلقت النافذة، لكنها عرفت أن عينًا رقابية صارت تحفظ حتى إغلاق النوافذ.
قال خالد السبيعي:
"هل عاد راكان البسام؟"
"بعد قليل."
"الاستراحة الطارئة لا تعني اجتماعًا موازيًا لإدارة الشهود."
قالت:
"لا يوجد شهود هنا. يوجد أشخاص يهددون طرحًا."
قال:
"أحيانًا يكون الشاهد تهديدًا لمن أخفى الواقعة."
"هل تتهمني؟"
"أحذرك."
ضحكت حصة المطيري بلا صوت تقريبًا.
"كل الناس اليوم يحذرونني."
قال:
"لأنك تقفين عند مفتاح باب لا تعرفين من أغلقه أول مرة."
لم ترد. لكنها فكرت في سعاد المطيري، وفي غرفة صغيرة لم تدخلها عائلة البسام إلا لتذكير أمها بأنها زائدة في نسب مرتب. فكرت في الملفات التي لا تفتح إلا للنساء حين يراد استخدامهن، وتغلق في وجوههن حين يطلبن حقًا. ثم كرهت هيا العتيبي لأنها جاءت تحمل دفترًا يشبه دليلًا على كل ما حاولت حصة المطيري أن لا تصير ضحيته: امرأة تُعرّف بوثيقة رجل.
في الصالة، وصل إلى هاتف راكان البسام مقطع صورة من تركي القحطاني. فتحه. ظهرت واجهة المشغل الطينية القديمة، بأقواسها الأحسائية الضيقة، وبابها الخشبي المزخرف الذي حفظته هيا العتيبي دون حاجة إلى صورة. أمامه وقفت شاحنة صفراء تابعة لمقاول مدار الساحل، وخلفها مركبة بلدية بيضاء. لم تكن الجرافة تلمس الباب، لكنها كانت قريبة بما يكفي لتجعل المسافة إهانة.
مد راكان البسام الجهاز إليها.
"انظري. لم يبدأوا."
لم تأخذ الهاتف. نظرت فقط.
"وجودهم بداية."
"الأمر صدر."
"هل صدر إلى البلدية؟"
توقف.
"سأتصل ببسام الرشيد."
"ما علاقة بسام الرشيد؟"
"إذا كان تصريح الموقع مربوطًا بمسار أوسع للممر، فهو يستطيع إيقاف الضغط من الجهة الحكومية."
"إذن اتصل."
قال:
"أمامك؟"
"كل شيء اليوم أمامي."
اتصل. لم يرد بسام الرشيد أول مرة. أعاد. في المرة الثانية جاء الصوت رسميًا، متحفظًا:
"راكان البسام، كنت أنتظر اعتمادًا لا أزمة."
قال راكان البسام:
"نحتاج تعليقًا فوريًا لأي إجراء ميداني في موقع البلد المرتبط بمركبة التطوير."
قال بسام الرشيد:
"هذا خارج نطاق حديثنا الصباحي."
"صار داخله."
"سمعت أن هناك مادة صحفية تتحرك."
"لهذا أتصل قبل أن تسمع نصف القصة."
"وهل عندك نصفها الآخر؟"
نظر راكان البسام إلى هيا العتيبي.
"يتشكل الآن."
قال بسام الرشيد:
"البلدية لا تتحرك بأمر مني."
"لكن الضغط على النافذة الحكومية يستطيع أن يهدأ باتصال منك."
"أنت تطلب مني التدخل في نزاع عائلي؟"
قال راكان البسام:
"أطلب منك منع خطأ ميداني سيجعل النزاع عامًا قبل أن تُراجع الوقائع."
قال بسام الرشيد بعد صمت:
"أرسل لي صيغة رسمية. لا مكالمات عاطفية في ملف حكومي."
"ستصلك خلال دقيقتين."
أنهى الاتصال.
قالت هيا العتيبي:
"لم يقل نعم."
"لم يقل لا."
"هذا ما تقولونه عندما لا تريدون الاعتراف بأن الباب ما زال مغلقًا."
بدأ يكتب رسالة إلى فريقه. ثم رفع رأسه إليها.
"أحتاج منك شيئًا."
"لا."
"لم تسمعي."
"تعلمت أن أرفض أولًا في هذا البرج."
"أحتاج صورة من كود التسليم."
"لا."
"هذا قد يساعدني في مواجهة الجوهرة البسام."
"لن أعطيك نسخة تجعلونها زخرفة بلا سياق."
"سأواجه أمي."
للمرة الأولى منذ دخولهما الصالة، بدا التعب في صوته غير محروس. هيا العتيبي لم تحن، لكنها رأت.
قالت:
"تواجهها بسؤال، لا بصورة."
"ستطلب دليلًا."
"قل لها إن هيا العتيبي ما زالت تملك الأصل. وإن الأصل سيظهر في المحكمة."
"أنتِ تريدين إذلالها."
"أريد أن لا تكذب بسهولة."
قال:
"إن كانت لم تعرف؟"
"فلتقل ذلك حيث يُكتب."
"أنتِ لا تتركي منطقة رمادية لأحد."
"الرمادي هو اللون الذي اختفوا فيه خمس سنوات."
رن هاتفها. هذه المرة كان الاتصال من عبير الصالح.
ردت فورًا:
"نعم؟"
جاء صوت عبير الصالح سريعًا:
"حصة المطيري تحرك شيئًا. ريم السهلي خرجت من مجموعة المستشارين ثم عادت. وخالد السبيعي يراقبها، لكن لا أثق."
قالت هيا العتيبي:
"دفترك معي."
"ليس الدفتر فقط. قد يذهبون إلى حساباتي. قبل قليل وصلني تنبيه دخول على ملف قرض قديم، ولحظة فتحته ظهر اسم جهة وسيطة محجوب: م.س.ت. ثم اختفى. رأيت قبله جزءًا من كلمة مدار... كأنه ومضة، ثم أغلق النظام."
نظرت هيا العتيبي إلى راكان البسام.
"وصلوا إلى عبير الصالح."
قال راكان البسام:
"أوقفت ذلك."
قالت عبير الصالح عبر الهاتف، وقد سمعته:
"لا يبدو أنه توقف. وصلني دخول غريب إلى ملف قرض قديم من جهة داخلية مرتبطة بالبسام."
اشتد وجهه.
"أعطيني اسم النظام."
قالت عبير الصالح:
"أنا لا أعطيك مفاتيح بيتي لأن حريقًا خرج من بيتك."
قالت هيا العتيبي:
"عبير الصالح، ابقي مع خالد السبيعي. لا تتحركي وحدك."
"أنا لا أتحرك."
ثم سكتت عبير الصالح نصف نفس، كأنها دفعت جملة إلى مقدمة فمها ثم لم تجد لها مكانًا.
"هيا العتيبي، بخصوص القرض القديم... كنت سأشرح لك قبل—"
ارتفع صوت في القاعة، وانقطع انتباهها.
"ليس الآن. خالد السبيعي يناديني. لكن لا تتركيهم يسبقونني إلى حكايتي."
ثم عادت تقول بسرعة:
"وياسر الدوسري في البهو."
"أعرف."
"لا تقتربي منه."
"لن أفعل."
"وهل راكان البسام يسمع؟"
قالت هيا العتيبي:
"نعم."
قالت عبير الصالح:
"إذن يسمع أيضًا: إذا حاول أحد ابتزازي بقرض معدات المشغل، فسأخرج التحويل الذي سدده وأسماء الوسطاء. ولن يكون الأمر جميلًا."
أنهت المكالمة.
قال راكان البسام:
"أي تحويل؟"
"اسأل فريقك الذي يبحث عن ضعفها."
"أنا أسألك."
"وأنا أجيبك بما يحق لك الآن: لا تفتح جبهة معها."
"إذا كانت هناك تحويلات من حساب وسيط—"
"كانت لمصاريف يعرفها من دفعها."
"من؟"
"ستعرف في المحكمة أو في إفصاح صحيح. ليس في صالة خلفية."
قال:
"كلما اقتربت من معلومة، أغلقتها."
"لأنك تريد الدخول من مدخل السيطرة لا من مدخل المسؤولية."
"وماذا لو كان التحويل من عبدالعزيز البسام؟"
"إذن ستسأل لماذا استمر والدك الراحل يدفع بعد تاريخ الطلاق المزعوم."
"وماذا لو كان من فهد البسام؟"
"إذن ستسأل لماذا يدفع من يزعم أن الملف انتهى."
"وماذا لو كان من حساب لا تريدين ظهوره؟"
نظرت إليه طويلًا.
"لن تجعل عبير الصالح ثمنًا لارتباكك."
قال:
"أنا أحاول معرفة الحقيقة."
"الحقيقة لا تبدأ بتفتيش جيوب الشاهدة."
وصل إشعار آخر إلى هاتفه. ثم آخر إلى هاتفها. في اللحظة نفسها تقريبًا، أضاءت إحدى الشاشات الزرقاء بتنبيه عمليات: "تصعيد ميداني: فريق البلدية يطلب إخلاء محيط الموقع."
قرأ راكان البسام الرسالة بصوت لم يعد يخفي انفعاله:
"فريق البلدية يطلب إخلاء محيط الموقع."
قالت هيا العتيبي:
"قلت لك."
اتصل بتركي القحطاني مجددًا. لم يرد. اتصل مرة ثانية. جاء الخط مشغولًا.
قالت:
"اتصل بغيره."
"لا يوجد غيره في التسلسل المباشر."
"هذا مريح جدًا."
أرسل رسالة صوتية قصيرة:
"تركي القحطاني، ترد الآن. أي خطوة من طرف البسام أو مقاول مدار الساحل في الموقع قبل تأكيدي الشخصي ستعتبر مخالفة. وأمر البلدية لا يبرر لك لمس الباب."
ثم اتصل ببسام الرشيد مرة أخرى. لم يرد.
قالت هيا العتيبي:
"أحتاج أن أذهب."
"لا تخرجي وحدك."
"لا أحتاج إذنًا."
"البهو فيه ياسر الدوسري، والصحافة قد تكون على الطريق، وحصة المطيري ليست تحت السيطرة الكاملة."
"إذن تعال."
قال:
"ماذا؟"
"تعال إلى المشغل. أوقفه بجسدك الإداري الثمين."
"لا أستطيع ترك اجتماع الإفصاح."
"تستطيع ترك امرأة تواجه جرافة؟"
"لا تستعملي—"
"لا. اليوم كل شيء يُستعمل لأنكم استعملتم كل شيء قبله."
كان سيقول شيئًا، لكن هاتفها أضاء باتصال فيديو من لمى الحربي. اسمها ظهر فوق صورة مهتزة قبل أن تضغط هيا العتيبي للرد.
انفجر الصوت من الهاتف قبل أن تظهر الصورة واضحة:
"هيا العتيبي! هيا العتيبي، هم عند الباب! الجرافات عند الباب!"
ظهرت لمى الحربي على الشاشة، وجهها قريب جدًا، خلفها حركة رجال بصدريات عاكسة، وصوت معدني متقطع، وصفير شاحنة وهي تتراجع. لم تكن تبكي فقط؛ كانت تحاول أن تصرخ وتشرح في الوقت نفسه.
"قالوا اطلعي من الطريق! ممثل البلدية معه رقم إخلاء إداري ويقول الأمر ما انسحب! تركي القحطاني يقول أمر الشركة وصل، لكن أمر البلدية لم يُسحب! ومقاول مدار الساحل واقف بالمعدة عند الباب! في واحد يقول افتحوا القفل! هيا العتيبي، الباب... الباب حق نوال العتيبي..."
انقطع الصوت لحظة، ثم عاد أعلى، ومعه اهتزاز الصورة كأن يد لمى الحربي اصطدمت بالحائط الطيني أو دُفعت عن الطريق:
"الجرافة تقدمت! هم عند الباب!"
تجمدت هيا العتيبي في موضعها ثانية واحدة فقط. في تلك الثانية، رأى راكان البسام وجه المرأة التي كانت تفاوضه يسقط عنه قناع التفاوض كله، ويبقى فيه شيء واحد: خوف أمّ على بيت لا يسكنه ابنها، لكنه يحمل اسم جدته وحقه وسبب وجوده.
ثم انغلقت يدها على الهاتف والدفتر معًا.
قالت:
"افتح الباب."
قال راكان البسام، وصوته خرج أبطأ من القرار الذي وصل إليه:
"سآتي معك."
قالت:
"إذن لا تتأخر خلف اسمك."
فتح الباب المواري على القاعة، فاندفع ضوءها الأبيض البارد إلى الصالة الخشبية. رفعت حصة المطيري رأسها. استدار خالد السبيعي. وعلى الشاشة البعيدة، ظل مروان الفالح صامتًا، لكن وجهه قال إن الاستراحة الطارئة انتهت قبل أن تبدأ، وإن الإفصاح لم يعد بندًا في جدول اجتماع.
كان قد صار بابًا خشبيًا قديمًا على وشك أن يُكسر.