كانت جدة في ذلك الصباح تبدو كأنها وُضعت تحت زجاج ساخن.
من الطابق السابع والثلاثين في برج البسام المطل على الميناء، كانت الرافعات البحرية تتحرك ببطء فوق الحاويات الملوّنة، وألسنة الشمس الأولى تنعكس على مياه البحر الأحمر كصفائح نحاس مذاب. خلف الواجهات الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف، كانت قاعة مجلس الإدارة باردة أكثر مما ينبغي؛ برودة مقصودة، مصممة لتجعل الأيدي لا تتعرق فوق الأوراق، ولتجعل القرارات التي تساوي مليارات الريالات تبدو كأنها أرقام فقط. حتى رائحة المطهر الخفيف في الممر، حين تتسلل مع فتح الباب، كانت تشبه تذكيرًا بأن هذا المكان لا يسمح للفوضى أن تترك أثرًا.
لم يكن ذلك الصباح قد بدأ هنا وحده. قبل الفجر بساعة، كان جدول هدم مشغل التطريز قد أُعيد ترتيبه في رسالة داخلية قصيرة، ونُقل موعد المعدات من نهاية الأسبوع إلى هذا اليوم بحجة "تزامن الأعمال المدنية مع إغلاق المسار". وفي شاشة صغيرة داخل عربة بلدية واقفة عند طرف الشارع القديم، ظهرت صورة واجهة المشغل مائلة قليلًا؛ زاوية التصوير لم تكن زاوية صحفي، بل زاوية موظف ميداني يرفع هاتفه من خلف زجاج مغبر. شعار أصفر على معدة بعيدة كان يلمع في طرف الصورة، لا يُقرأ كاملًا، لكن حروفه الأولى تكفي لمن يتعقب: مدار الساحل للتطوير.
ومنذ ثلاثة أيام، كانت غادة المنصور تلتقط فتاتًا من تأخير غير مفسر في مستندات الطرح، وصورة ضبابية لموقع المشغل وصلت إلى هاتفها من رقم لا يظهر اسمًا. صباح اليوم، وصلتها صورة ثانية؛ أضيق، أقرب، كأنها مأخوذة من هاتف موظف قديم يعرف أين يقف كي يرى الباب واللوحة معًا. لم تكن الصورة تقول شيئًا عن زواج أو ابن، لكنها قالت ما يكفي عن أرض يجري تنظيفها قبل الموعد.
أما ياسر الدوسري، فلم يكن ينتظر مصادفة؛ كان يراقب معاملات مدار الساحل للتطوير منذ أن ظهر اسمها في هامش ضمانات لا يحب المحامون أن تُقرأ بصوت عالٍ.
لذلك لم يكن انفجار ذلك الصباح وليد دقيقة واحدة. كان مثل خيط مشدود من جهات كثيرة، ينتظر فقط يدًا تقطعه.
دخل راكان البسام القاعة قبل السابعة بدقيقتين.
لم يكن في مشيته استعجال، رغم أن كل ساعة ذلك الصباح كانت مشدودة إلى موعد نهائي واحد: اعتماد إفصاحات طرح سلسلة التبريد البحري التابعة لشركة البسام، قبل إغلاق نافذة التوريد الحكومية الخاصة بممر الإمداد البحري. كان يرتدي بدلة رمادية داكنة، قميصًا أبيض بلا تجاعيد، وساعة رفيعة لا تصرخ بالثروة لأنها لا تحتاج إلى ذلك. خلفه دخل مساعدون صامتون يحملون ملفات، ثم تراجعوا عند الباب كما لو أن خطًا غير مرئي منعهم من الدخول إلى الهواء الأغلى في الشركة.
رفعت حصة المطيري رأسها عن ثلاثة مجلدات امتثال مفتوحة أمامها. كانت تجلس إلى يمين المقعد الرئيسي، شعرها مشدودًا إلى الخلف، ونظارتها الرقيقة على طرف أنفها، وأصابعها تتحرك فوق لاصقات صفراء وخضراء وحمراء رتبت بها مصير الطرح. كان كوب القهوة أمامها باردًا تقريبًا؛ لم تشرب منه إلا رشفة واحدة منذ الخامسة.
قالت من دون أن تبتسم: "تأخرت دقيقتين يا راكان البسام."
خلع راكان زر سترته وهو يقترب من كرسيه. "إذا كان الطرح يتعطل على دقيقتين، فالمشكلة ليست في الساعة."
نظرت حصة إلى الشاشة الممتدة في نهاية القاعة، حيث ظهرت وجوه المصرفيين والمستشارين داخل مربعات مضاءة. كان مروان الفالح في أكبر مربع، وجهه متوترًا، يبتسم ابتسامة لا تصل إلى عينيه. بجانبه ظهر خالد السبيعي بملامح رسمية ساكنة، وخلفه جدار رمادي لا يكشف شيئًا.
قال مروان عبر السماعات: "صباح الخير. نحن جاهزون متى ما كنتم جاهزين للتوقيع النهائي."
ردت حصة قبل راكان: "صباح الخير. لدينا مراجعة أخيرة لبند الإفصاحات القانونية، ثم توقيع راكان البسام على نسخة الاكتتاب المعدلة. كل شيء مطابق للنسخة التي أُرسلت عند الفجر."
جلس راكان. كانت رائحة القهوة العربية الثقيلة تمتزج بجلد الكراسي الجديد وبشيء رطب قادم من البحر، رغم أن الزجاج مغلق. على الطاولة أمامه وُضع قلم فضي محفور عليه شعار الشركة، بجوار كومة أوراق ذات حواف مرتبة كأنها لم تمسها يد بشرية.
في أسفل البرج، قرب البوابة الجانبية، كان موظف الأمن يقلب بطاقة زيارة بين أصابعه. "مراجعة توريدات أرشيفية؟ أي أرشيف؟"
قال زميله وهو ينظر إلى الشاشة: "الاسم قديم. مشغل نوال العتيبي. عندهم ختم ملاحظة باسم الجوهرة البسام."
"نطلعهم؟"
تردد الثاني، ثم قال: "نبلغ فوق أولًا."
لكن المصعد كان قد أغلق أبوابه.
في القاعة، قال خالد السبيعي بنبرة إجرائية لا ترتفع ولا تلين: "قبل الاعتماد، أحتاج تأكيدًا شفهيًا أن قائمة المخاطر النهائية لا تحتوي على أي نزاع غير مفصح عنه يتعلق بأصول جوهرية، أو ملكيات أراضٍ، أو التزامات عائلية قد تؤثر على السيطرة أو التدفقات النقدية."
مال راكان إلى الخلف. "تأكيد."
رفعت حصة عينها بسرعة. "التأكيد سيكون بعد قراءة بند المخاطر."
نظر إليها. "اقرئيه."
قلبت حصة صفحة في المجلد الأحمر. "لا توجد، بحسب علم الشركة وإدارتها التنفيذية ومستشاريها، أي دعاوى منظورة أو مطالبات محتملة أو قيود ملكية غير مفصح عنها، قد يكون لها أثر جوهري على أصول الشركة أو الشركات التابعة أو المركبات الاستثمارية ذات الصلة بمشروع ممر الإمداد البحري."
قال مروان، بلهجة رجل يحصي الخسائر قبل أن تقع: "ممتاز. نحتاج الجملة من راكان البسام مباشرة، ثم ننتقل للتوقيع. كل عشر دقائق تأخير ستفتح علينا أسئلة من فرق الاكتتاب، ومن المقرضين، ومن بسام الرشيد."
أخذ راكان القلم بين أصابعه. كان القلم باردًا على نحو مستفز. فتح الغطاء ببطء، وعند تلك اللحظة طرق أحدهم الباب الزجاجي طرقًا حادًا.
لم يلتفت في البداية. كانت القاعة كلها مدربة على تجاهل الأصوات غير المدرجة في جدول الأعمال.
لكن الطرق تكرر.
أشد.
ثم انفتح الباب.
دخلت هيا العتيبي كما لو أنها لم تكن تدخل برجًا محروسًا، بل بيتًا تعرف مفاتيحه القديمة.
لم يكن دخولها معجزة أمنية، ولا بطولة مرتجلة. على صدر عبير الصالح، تحت طرف شيلتها، كان يتدلّى تصريح زيارة مؤقت طُبع قبل ساعة باسم "مراجعة توريدات أرشيفية"، حصلت عليه من رابط اجتماع أُرسل بالخطأ إلى بريد قديم ظل مسجلًا باسم مشغل نوال العتيبي في قائمة الموردين. أما هيا، فمرّت من بوابة الخدمة التي كانت نوال العتيبي تدخل منها قبل سنوات حين ترسل أثواب الجوهرة البسام المطرزة إلى البيت الكبير. الاسم القديم في سجل الموردين جعل موظف الأمن يتردد؛ وحين ظهر ختم "الجوهرة البسام" في خانة الملاحظات القديمة، خاف أن يمنع امرأة قد تكون مرتبطة ببيت لا يحب أحد أن يخطئ في أبوابه. تبعهما الحارسان إلى المصعد، ثم إلى الممر، لكن ترددهما كان كافيًا ليصلا إلى الزجاج قبل أن يصدر قرار واضح.
كانت عباءة هيا السوداء تلمع بخيط دقيق عند الحواف، وشيلتها الحريرية مثبتة بدبوس فضي فوق خصلات بنية ذهبية أفلت بعضها حول وجهها. لم يكن وجهها مزينًا بما يكفي للاحتفال، ولا شاحبًا بما يكفي للانهيار؛ كان وجه امرأة قطعت الطريق إلى هنا وهي تعرف أن كل خطوة ستكلفها شيئًا. في يدها دفتر كبير ملفوف بقماش مطرز، وعلى كتفها حقيبة جلدية قديمة. خلفها دخلت عبير، تحمل ملفًا أزرق مضغوطًا إلى صدرها، عيناها تتحركان بين الوجوه والشاشة والحراس الذين تبعوها مترددين. كان نفس عبير سريعًا، أما هيا فبدت هادئة على نحو لا يطمئن.
نهضت حصة فورًا. "من سمح لكما بالدخول؟"
قالت هيا، وهي لا تنظر إلا إلى راكان: "صباح الخير يا راكان البسام."
لم يتحرك القلم في يده. لم يتبدل وجهه إلا في شيء صغير حول عينيه، كأن الضوء انكسر فيهما فجأة. ثم أغلق الغطاء على القلم وأعاده إلى الطاولة.
قال ببرود: "اخرجي يا هيا العتيبي."
تقدمت عبير نصف خطوة. "اسمعها أولًا."
التفتت حصة إليها. "وأنتِ اخرجي معها. هذه قاعة مجلس إدارة، ليست مكتب شكاوى."
قالت هيا: "لو كان مكتب شكاوى، لما وجدت راكان البسام هنا."
تحرك أحد الحراس عند الباب. رفع راكان يده من دون أن ينظر إليه. توقف الحارس.
قال راكان: "لديك ثلاثون ثانية قبل أن تتحول هذه المسرحية إلى بلاغ تعدٍّ."
ضحكت هيا ضحكة قصيرة بلا فرح. "ثلاثون ثانية؟ أعطيتني أقل من ذلك يوم قررت أن الطلاق تم، وأنني انتهيت من سجل حياتك."
شدت حصة على المجلد أمامها. "لا مكان لهذا الكلام هنا. يوجد اجتماع اعتماد رسمي، وكل ما يقال مسجل."
قالت هيا: "جيد. أريده مسجلًا."
في الشاشة، خفتت ابتسامة مروان تمامًا. "راكان البسام، هل نحتاج إلى تعليق الاجتماع؟"
قال راكان بسرعة: "لا. هذه مسألة شخصية قديمة لا علاقة لها بالطرح."
رفعت هيا الدفتر المطرز قليلًا. "ليست شخصية إذا كانت تحت أرضكم."
سكتت القاعة لحظة. حتى صوت الأقلام على الورق توقف.
قال خالد السبيعي: "أحتاج توضيحًا محددًا لطبيعة الادعاء قبل المضي في إجراء الاعتماد."
أجاب راكان وهو يحدق في هيا: "لا يوجد ما يحتاج إلى توضيح. هيا العتيبي تحاول الضغط في توقيت حساس."
قالت هيا: "الضغط؟ أنت تسمي الحقيقة ضغطًا لأنها وصلت قبل توقيعك بدقيقة."
قالت حصة: "إن كان لديك ادعاء قانوني، فباب المحكمة معروف."
ردت هيا: "ذهبت إلى باب المحكمة. الملف اختفى."
لمعت عينا عبير. فتحت الملف الأزرق بسرعة، لكن هيا رفعت يدها تمنعها من الكلام.
قال راكان: "كفى."
قالت هيا: "لا. الكفاية تأخرت سنوات."
اقتربت من الطاولة. لم يكن لخطواتها صوت تقريبًا على السجاد السميك، لكن كل شخص في القاعة شعر بها. وضعت الدفتر المطرز أمام المقعد الفارغ المقابل لراكان. كان القماش على غلافه مطرزًا بزهور صغيرة وخطوط هندسية بألوان باهتة، لكن الزوايا مهترئة من كثرة الاستخدام. لم يكن دفترًا فاخرًا؛ كان شيئًا عاش في أيدٍ كثيرة.
لم تفتحه فورًا.
ظل الدفتر مغلقًا بينهما كصندوق صغير من زمن آخر. تذكرت هيا أصابع نوال العتيبي وهي تبل الخيط بطرف لسانها قبل أن تدخله في الإبرة، وتذكرت صوتها وهي تقول إن الورق لا يحب النساء، لذلك يجب أن تعلّمي الورق كيف يخاف منك. تذكرت كرسي نوال الخشبي قرب نافذة المشغل، علبة الأزرار المعدنية، ورائحة الشاي إذا برد لأن زبونة أطالت الشكوى. وتذكرت فتاة صغيرة كانت تعمل عند نوال العتيبي ثم تأخر أجرها عند بيت ثري؛ يومها لم تكتب نوال الاسم في خانة دين فقط، بل طرّزت حروفه في زاوية منديل تدريب كي لا يستطيع أحد إنكار أن اليد التي خاطت كانت يدًا لها اسم. للحظة قصيرة، لم تكن هيا في برج البسام؛ كانت عند الباب القديم، تسمع ماكينات الخياطة وهي تعمل كقلوب صغيرة عنيدة.
ثم عادت البرودة إلى أصابعها.
قالت حصة بحدة: "لا تلمسي طاولة المجلس."
نظرت إليها هيا للمرة الأولى. "هذه الطاولة تقف فوق ديون أكثر قذارة من أصابعي."
استقام جسد حصة. "اختاري كلماتك."
قالت عبير: "اختارتها. وأنا أراجع حساباتها منذ سنوات."
رمقها راكان. "عبير الصالح، لا تجعلي نفسك طرفًا في شيء لا تفهمينه."
ردت عبير: "أفهم الأرقام. والأرقام لا تخاف من اسمك."
ظهرت حركة في شاشة مروان؛ كان يميل إلى الأمام، يضع كفيه على مكتبه. "راكان البسام، هل هناك نزاع أرض متعلق بأي أصل ضمن هيكل الطرح؟"
قال راكان: "لا."
قالت هيا في اللحظة نفسها: "نعم."
ساد صمت قصير، كثيف، حتى إن صوت تكييف القاعة بدا كفحيح.
قال خالد: "أرجو عدم التحدث في الوقت نفسه. هيا العتيبي، ما صفتك في هذا الاجتماع؟"
ابتسمت هيا ببطء. "زوجة راكان البسام القانونية."
انخفضت عين راكان إلى القلم ثم عادت إليها. "هذا كذب."
قالت هيا: "إذن وقّع وأنت مرتاح."
قالت حصة: "تم الطلاق قبل سنوات."
أجابت هيا: "قيل لي هذا. وقيل له هذا. وقيل لكم ما يناسب الطرح. لكن الطلاق لم يكتمل. لا شرعًا في السجل، ولا نظامًا في الوثيقة، ولا حسابيًا في الأثر."
ضرب راكان الطاولة براحة يده، لا بقوة تكسر الهدوء، بل بما يكفي لإعادة ترتيب السلطة. "أنتِ تدخلين إلى اجتماع مسجل، تتهمين عائلتي وشركتي وتدّعين زواجًا منتهيًا. هل تعرفين ما تفعلين؟"
اقتربت هيا من طرف الطاولة حتى صار الضوء البحري خلفها. "أعرف. لأول مرة منذ سنوات، أعرف بالضبط ما أفعل."
قال راكان: "أنتِ غاضبة لأن مشروع التطوير سيزيل مشغلًا متهالكًا فوق أرض ليست لك."
اشتعل وجهها، لكن صوتها بقي منخفضًا. "لا تقل متهالكًا عن المكان الذي أكلت فيه من يد نوال العتيبي."
تجمد شيء في فكه.
قالت حصة بسرعة، كأنها تقطع خيطًا خطيرًا: "المشغل يقع ضمن نطاق إعادة تطوير مملوك لمركبة استثمارية منفصلة، وليس ضمن أصول الطرح الأساسية."
قالت عبير: "المركبة اسمها مدار الساحل للتطوير. ممولة بضمانات من عقود سلسلة التبريد. ومدفوعات الإخلاء مرت عبر حسابات مرتبطة بالمشروع."
لم يلحظ الجميع ذلك، لكن هيا رأته: رمشة قصيرة في عين حصة المطيري، نصف ثانية فقط، كأن الاسم لم يكن مفاجئًا بل كان أكثر اسم تخشى أن يُقال كاملًا داخل القاعة.
قالت حصة، بعد ذلك النصف من الثانية: "من أين حصلتِ على هذه المعلومات؟"
رفعت عبير الملف الأزرق. "من فواتيركم. ومن أخطائكم."
قال مروان بصوت أكثر جفافًا: "هذا يتطور إلى مسألة إفصاح. راكان البسام، نحتاج حصرًا واضحًا."
قال راكان: "مروان الفالح، لا تدع اقتحامًا عاطفيًا يجر الاجتماع. لدينا عقود حكومية تنتظر."
قال خالد: "والإفصاح ينتظر قبلها."
في الشارع القديم، اهتز هاتف لمى الحربي فوق طاولة قص صغيرة. كان الفيديو الذي صورته قبل دقائق ما زال مفتوحًا: واجهة المشغل، باب خشبي أزرق، ومعدة صفراء تتحرك مترين ثم تتوقف. ظهر تركي القحطاني في طرف الكادر، يرفع يده لعامل لا يسمعه أحد من داخل الفيديو. كتبت لمى الحربي رسالة قصيرة، ثم مسحتها، ثم كتبت: "بدأوا قبل الموعد." أرسلتها إلى هيا العتيبي.
في القاعة، قالت هيا: "اسأله عن زياد بن راكان البسام."
لم يتحرك أحد.
حتى البحر في الخارج بدا كأنه توقف.
كان الاسم، حين خرج من فمها، أثقل من الدفتر، أثقل من الملفات، أثقل من كل الحاويات المرصوصة في الميناء. رأى راكان في لحظة واحدة بابًا قديمًا، ممرًا ضيقًا برائحة مطر وغبار، يدًا صغيرة لم يمسكها قط، ورسالة لم يفتحها لأنه أقنع نفسه أن فتحها خيانة لنظام حياته الجديد. لم يكن بريئًا تمامًا من جهله؛ كان قد اختار يومًا أن يصدق الصمت لأنه أكثر راحة من سؤال قد يهدم بيتًا كاملًا فوق رأسه.
قال بصوت منخفض جدًا: "لا تفعلي."
سمعته حصة، فالتفتت إليه. "من زياد بن راكان البسام؟"
لم يجب.
قالت هيا: "ابني. ابن راكان البسام."
رفعت حصة يدها إلى حافة النظارة، ثم أنزلتها. "هذا ليس وقتًا—"
قاطعتها هيا: "بل هذا وقته الوحيد. لأن راكان البسام سيوقع الآن أن لا يوجد التزام عائلي مؤثر، ولا نزاع وراثي، ولا قيد أرض. وابنه يملك مطالبة وقف على الأرض التي تريد شركة تابعة لكم هدمها هذا الأسبوع."
قال راكان: "زياد بن راكان البسام ليس له علاقة بهذه الشركة."
ردت هيا: "له علاقة بالأرض. والأرض تحت أقدامكم المالية، إن لم تكن تحت هذا البرج."
قال خالد: "هل توجد وثائق تثبت النسب أو الوقف أو صلة الأرض بالأصول محل الإفصاح؟"
قالت حصة بحدة: "خالد السبيعي، مع كامل الاحترام، نحن لا نأخذ ادعاءات شفوية من شخص اقتحم اجتماعًا."
قال خالد: "وأنا لا أتجاهل ادعاءً محددًا يرد أثناء اعتماد نشرة إصدار."
قال مروان: "راكان البسام، إن كان هناك ابن غير مفصح عنه مع مطالبة وقف على أرض مرتبطة بمركبة تطوير لها صلة تمويلية، فهذا ليس تفصيلًا عاطفيًا. هذا خطر مصرفي وإفصاحي، وقد يعيد تسعير الشريحة كاملة."
وقف راكان. "كلكم تتصرفون وكأن أي شخص يحمل دفترًا قديمًا يستطيع تعطيل طرح بمليارات."
قالت هيا: "ليس أي دفتر."
وضعت أصابعها على الغلاف المطرز. لم تفتحه بعد. كان في تأخيرها قسوة متعمدة، أو ربما خوف لا تريد أن يراه أحد. راكان عرف يديها قبل أن يعرف وجهها في ذلك الصباح؛ كانتا اليدين نفسيهما، أقوى قليلًا، أكثر نحولًا، لكنهما تحملان الذاكرة نفسها. الإبهام الذي يضغط على الحافة كما كان يضغط على كوب الشاي حين تكتم غضبها. الخنصر الذي يرتجف فقط عندما يكون الكلام صادقًا أكثر من اللازم.
قال بنبرة أخفض: "هيا العتيبي، اخرجي معي إلى مكتبي. الآن. نتحدث هناك."
رفعت عينيها إليه. "حتى تخرج الشاشة؟ حتى يغلق مروان الفالح صوته؟ حتى يكتب خالد السبيعي أن الاجتماع استمر بلا انقطاع؟"
قال: "حتى أحميك من نفسك."
ضحكت مرة أخرى، وكانت الضحكة هذه المرة أوجع. "لا. أنت تريد أن تحمي نفسك مني."
قالت حصة وهي تضغط زرًا على هاتف القاعة: "الأمن إلى قاعة المجلس فورًا."
مد راكان يده وأغلق الاتصال قبل أن تكتمل الرنة.
نظرت إليه حصة. "ماذا تفعل؟"
قال: "لا أحد يلمسها."
قالت حصة: "إذن أنت تؤكد أن المسألة شخصية."
قال راكان: "أنا أؤكد أن إخراجها بالقوة أمام هيئة السوق والمصرفيين سيخلق خبرًا أسوأ من سماعها لدقيقتين."
قالت هيا بهدوء: "كلام رجل يحسب الخسائر قبل الذنوب."
قال راكان: "وأنتِ؟ ماذا تحسبين؟"
قالت: "أيام الخوف. إيجار المشغل. علاج نوال العتيبي. دفعات التطريز التي سجلتها لأنها كانت تعرف أن النساء لا ينجين إلا بالأرشيف. وأحسب عمر زياد بن راكان البسام كلما سألني لماذا لا يحمل والده صوته على الهاتف."
اشتد وجه راكان.
قالت حصة، وصوتها أقل ثباتًا: "هل راكان البسام كان يعلم؟"
لم ترد هيا فورًا. نظرت إلى راكان.
قال راكان: "لا تحولي هذا إلى محكمة."
قالت هيا: "المحكمة أضاعت ملف الزواج. هنا الملفات لا تضيع، صحيح يا حصة المطيري؟ هنا كل شيء برقم نسخة، وختم، وتوقيت دخول."
حركت حصة أحد المجلدات نحوها. "أجيبي. هل أُبلغ راكان البسام بوجود زياد بن راكان البسام؟"
قالت هيا: "أُرسلت الرسالة مع مسبحة الجوهرة البسام."
اختطف الاسم لونًا من وجه راكان.
قالت حصة: "ما علاقة الجوهرة البسام؟"
قال راكان بسرعة: "لا علاقة لها."
قالت هيا: "بل كل العلاقة. لأن الرسالة عادت إليّ مفتوحة بلا جواب. وبعدها وصلني إشعار الطلاق. ثم عرفت الآن أن الإشعار نفسه كان نصف ورقة بلا إيصال."
قال مروان: "أحتاج أن أفهم. هل تدّعين أن وثيقة الطلاق ناقصة؟"
فتحت هيا الدفتر أخيرًا.
لم يكن دفتر عملاء كما يبدو من الخارج فقط. كانت صفحاته خليطًا غريبًا بين طلبات تطريز، قياسات أثواب، أسماء زبونات، تواريخ تسليم، مبالغ مدفوعة، وعلى الهوامش خيوط صغيرة مثبتة كعلامات، وأختام باهتة نقلت بالحبر، وأرقام كتبت بحذر على أطراف الورق. كان الدفتر ذا ذاكرة مزدوجة: وجهه للرزق، وهامشه للنجاة. حين انفتحت الصفحة الأولى خرجت منه رائحة ورق قديم وخيط مخزن وشيء خفيف من عطر نوال العتيبي، كأن امرأة غائبة دخلت القاعة متأخرة.
كان الشريط المطرز الذي حمل رسالة الحمل قد حُفظ يومًا داخل غلاف المسبحة التي أُرسلت إلى الجوهرة البسام، ومعه ظرف داخلي صغير من قماش المشغل، خيطه لا يشبه خيطًا يباع في السوق. حين عاد الغلاف مفتوحًا بلا جواب، احتفظت به نوال العتيبي بين صفحات الدفتر كما تُحفظ الشهادة لا الهدية. لذلك لم تكن المسبحة اسمًا في الذاكرة فقط؛ كانت طريق الرسالة، وغلافها، والأثر الذي لم يعرف كيف يختفي.
قالت عبير بنبرة أكثر هدوءًا، كأنها تدخل منطقة حسابية تعرفها: "نوال العتيبي كانت تسجل كل دفعة تدخل للمشغل. لكنها أيضًا كانت تسجل كل زيارة موثق، كل رقم صك، كل تاريخ مراجعة. هذه الصفحة ليست طلب تطريز فقط."
أدارت هيا الدفتر نحو راكان. "اقرأ."
لم يمد يده.
قالت: "اقرأ، يا راكان البسام."
قال: "أعرف خط نوال العتيبي."
قالت: "إذن ستعرف أنها لا تكذب."
تدخلت حصة: "لا يمكن اعتماد دفتر خاص كدليل رسمي."
قالت عبير: "لا أحد طلب منك اعتماده كدليل نهائي. فقط لا توقّعوا عكس ما يفتحه."
قال خالد: "ما الموجود في الصفحة؟"
وضعت هيا إصبعها عند هامش مطرز بخيط أخضر. "رقم عقد الزواج. تاريخ دخول المأذون. دفعة أتعاب التوثيق. ثم هنا—" نقلت إصبعها إلى هامش آخر، حيث كان الخيط الأحمر يحيط بمستطيل صغير من الحبر. "إشعار طلاق مزعوم. لا يوجد رقم إيصال إتمام. لا يوجد ختم انتهاء. فقط مراجعة معلقة."
قالت حصة: "ربما لم تسجل نوال العتيبي كل شيء."
ارتفع صوت هيا للمرة الأولى. "نوال العتيبي سجلت ثمن الإبر المكسورة! سجلت من دفعت ريالين ومن دفعت ألفين. سجلت تواريخ الغسيل الكلوي لجارة لا تخصها لأنها كانت توصلها. لا تقولي لي إنها نسيت ختمًا يخلع ابنتها من بيتها."
ساد صمت، قطعه صوت مروان: "ذكرتِ علامة موثق؟"
قلبت هيا الصفحة بعناية. في أسفلها، قرب رسم مطرز لطائر صغير، ظهر ختم غير مكتمل لكنه واضح بما يكفي لمن يعرفه: علامة ماجد الزهراني.
قالت هيا: "ماجد الزهراني."
تحركت حصة كأن الاسم وخزها. "ماجد الزهراني متقاعد منذ سنوات."
قالت هيا: "لكنه كان موجودًا في اليوم الذي قيل لي فيه إن زواجي انتهى. وترك علامة مراجعة لا علامة إتمام."
قال راكان: "ماجد الزهراني وثّق عشرات معاملات العائلة. اسمه على ورقة لا يعني شيئًا."
قالت هيا: "ليس اسمه فقط."
أشارت إلى سطر آخر. "هنا رقم الكربونة. وهنا دفعة نقدية من حساب عبدالعزيز البسام لم تُقفل. وهنا تاريخ زيارة فهد البسام للمشغل بعد ثلاثة أيام من إشعار الطلاق، حين طلب من نوال العتيبي تسليم نسخة العقد بحجة الأرشفة."
ضربت حصة المجلد براحة يدها. "توقفي عند هذا الحد. أنت تتهمين فهد البسام وعبدالعزيز البسام بتزوير عائلي أمام ممثل هيئة السوق."
قالت هيا: "لا. أنا أصف الطريق الذي مشى فوقي."
قال راكان بصوت منخفض: "لا تدخلي عبدالعزيز البسام في هذا."
استدارت إليه. "أنت تحمي الراحلين لأنهم لا يجيبون. وأنا أحمي الحي الذي لم تسأله يومًا عن اسمه."
قال: "قلت لكِ لا تستخدمي زياد بن راكان البسام كسلاح."
اقتربت منه خطوة. "هو ليس سلاحًا. هو وريث حقكم أنكرتموه لأن اعترافك به كان سيهدم رواية الطلاق."
قال: "لم أعرف."
قالت: "لم ترد أن تعرف."
قالت حصة بصوت حاد: "هذا النقاش انتهى. الأمن سيأتي، والاجتماع سيعلّق عشر دقائق، وسنطلب رأيًا قانونيًا مكتوبًا—"
قال خالد: "الاجتماع لا يمكن أن يستمر كأن شيئًا لم يحدث."
قالت حصة: "أنا مسؤولة الالتزام هنا، وأعرف كيف تدار المخاطر."
قال خالد: "وأنا أمثل الجهة التي ستسأل لماذا لم يظهر هذا في الإفصاح."
ارتفع صوت مروان: "نحتاج إجابة واحدة الآن: هل ستوقّعون أن لا يوجد خطر تقاضي عائلي أو وقف أو أرض؟"
نظر الجميع إلى راكان.
كان القلم أمامه. نشرة الإصدار مفتوحة على صفحة التوقيع، سطر اسمه ينتظر كجرح نظيف لم يلمسه السكين بعد. رأى انعكاس وجهه في سطح الطاولة المصقول: رجل يعرف كيف يجعل السوق يثق به، كيف يقطع طريقًا بحريًا على منافسيه، كيف يبتسم في الصور وهو يخفي داخله غرفًا مغلقة. لكن وجه هيا في الزجاج خلفه لم يكن انعكاسًا؛ كان حضورًا لا يمكن تمريره إلى بند هامشي.
قال راكان: "هيا العتيبي، إذا كان ما تقولينه صحيحًا، لماذا اليوم؟"
قالت: "لأن الهدم يبدأ اليوم."
قالت حصة: "الهدم مجدول لإزالة مبانٍ غير مطابقة."
قالت عبير: "المشغل ليس مبنى غير مطابق. لديكم تقرير سلامة تجاهلتموه."
قالت حصة: "تقرير من؟"
قالت عبير: "من مكتب استشاري لم تدفعوا فاتورته لأنه لم يكتب ما تريدون."
قال راكان: "لا أعرف عن هذا التقرير."
قالت هيا: "أنت لا تعرف أشياء كثيرة تحدث باسمك. هذا لا يجعلها نظيفة."
قال: "والوقف؟"
فتحت هيا صفحة أخرى. كانت فيها عينة قماش صغيرة مخيطة عند الحافة، بلون عاجي، وتحتها سطر بخط نوال العتيبي. "شرط الزوجة الأخيرة."
تغير وجه حصة. "ما هذا؟"
قالت هيا: "أرض المشغل من وقف قديم. شرطه أن ينتفع بها نسل الزوجة الأخيرة التي بقيت على عقدها عند وفاة صاحب الوقف، وأن تُدار منفعتها لحرفة النساء في الحي. فهد البسام يدّعي أن الشرط انقطع لأن زواجي انتهى. لكنه لم ينته. وزياد بن راكان البسام يدخل في النسل المستحق. وهذا يجعل الهدم اعتداءً على وقف قبل أن يكون اعتداءً على مشغل."
قال مروان بصوت مبحوح: "هل هذه الأرض ضمن نطاق مركبة التطوير المرتبطة بعقد ممر الإمداد البحري؟"
قالت حصة: "ليست ضمن أصول شركة سلسلة التبريد مباشرة."
قال خالد: "لم أسأل عن المباشرة فقط."
صمتت حصة جزءًا من الثانية، وكان ذلك كافيًا.
قال مروان: "حصة المطيري؟"
قالت حصة: "هناك ارتباط تمويلي محدود."
قال خالد: "عرّفي محدود."
قالت حصة: "ضمانات متقاطعة مؤقتة لحين إغلاق الطرح."
أغلق مروان عينيه للحظة. "هذا يعني أن نزاع الوقف قد يصبح أثره جوهريًا."
قالت حصة: "إذا ثبت. ولم يثبت."
قالت هيا: "إذن علّقوا التوقيع حتى يثبت."
قال راكان: "أنتِ تريدين خنق الطرح."
قالت: "أريد ألا تهدموا بيت رزق أمي فوق رأس النساء ثم تبيعوا للعالم نشرة تقول إن الأرض صافية."
رد: "هذا الطرح ليس لعبة. آلاف الموظفين، عقود، سلاسل إمداد، دواء، غذاء، موانئ—"
قاطعته: "وأنا؟ وزياد بن راكان البسام؟ ونوال العتيبي التي ماتت وهي تظن أن ورقة واحدة ستنصفنا إذا لم ينصفنا رجل؟ نحن لسنا بندًا صغيرًا في هامش إمبراطوريتك."
قال بهدوء خطر: "لا تتحدثي عن نوال العتيبي كأنني لم—"
توقف.
قالت هيا: "كأنك لم ماذا؟ كأنك لم تحب الجلوس في مشغلها لأنك كنت تستطيع أن تكون إنسانًا هناك؟ كأنك لم تأكل من صحنها وتضحك من قلبك قبل أن يعلموك أن القلب يكلّف أكثر من السفن؟ أكمل يا راكان البسام. الشاشة تسمع."
كان التوتر بينهما لا يشبه فقط نزاعًا قانونيًا. كان هناك شيء أقدم، أسخن، أكثر عارًا من الغضب. رأته حصة، فرأت أخاها غير الشقيق خارج القالب الذي حفظته: ليس الرجل الذي يختصر الأزمات بجملة، بل الرجل الذي يتذكر رائحة بيت صغير ويكره نفسه لأنه يتذكر.
قالت حصة بصوت أقل حدة، لكنه أكثر تصميمًا: "هيا العتيبي، إن كان لديك دليل رسمي، قدميه للمحكمة. أما هنا، فوجودك يعرّضك للمساءلة."
قالت هيا: "قدمت. صالح العمري أخبرني أن ملف الزواج اختفى من الأرشيف."
تبادل خالد ومروان نظرة عبر الشاشة.
قال خالد: "ملف زواج مفقود متعلق برئيس الشركة؟"
قال راكان: "لا توجد واقعة مثبتة. مجرد قول من كاتب محكمة."
قالت عبير: "وقول من دفتر نوال العتيبي. وقول من حسابات المشغل. وقول من ختم ماجد الزهراني. وقول من جدول الهدم الذي أرسله تركي القحطاني قبل الفجر."
التفتت حصة فجأة. "كيف عرفتِ اسم تركي القحطاني؟"
قالت عبير: "لأنه أرسل الإنذار إلى بريد المشغل بالغلط، ثم حاول حذفه. لمى الحربي صورت الشاشة قبل أن يختفي."
ضغطت حصة شفتيها. "هذا خارج نطاق الاجتماع."
قال خالد: "على العكس. صار داخله تمامًا."
اقترب راكان من الدفتر. لم يلمسه، لكن ظله وقع على الصفحة المفتوحة. قرأ الرقم المكتوب عند الهامش. لم يكن يحتاج إلى ذاكرة كاملة؛ الرقم دفع بابًا في رأسه. رقم عقد الزواج. كان يظن أنه نسيه. اتضح أن النسيان كان قشرة.
ومعه عادت صورة صغيرة، تافهة بما يكفي لتكون قاتلة: هيا واقفة في مشغل نوال العتيبي، تحمل بكرة خيطين متقاربين، تسأله أيهما يليق بحافة ثوب عروس لا يعرفها. اختار اللون الخطأ، فضحكت نوال العتيبي وتركت له صحن عشاء لأنه "لا يعرف الخيط، لكنه يتعلم". يومها علّمته هيا كيف تخبئ النساء أرقامًا داخل زخرفة كي لا يقرأها إلا من يعرف ترتيب الغرز. لم يخطر له أن الغرز نفسها ستعود يومًا لتقرأه هو.
قال بصوت منخفض لا يسمعه إلا من حول الطاولة: "من أعطاكِ هذه الصفحة؟"
قالت هيا: "كانت عندي منذ ماتت نوال العتيبي."
قال: "ولماذا لم تظهريها؟"
قالت: "لأنني كنت أظن أن كرامتي أهم من مطاردتك. ثم عرفت أن صمت الكرامة يصبح تواطؤًا عندما تدخل الجرافة إلى الباب."
قال: "كان يمكن أن تأتي إليّ."
قالت: "جئت."
قال: "متى؟"
قالت: "ثلاث مرات. عند بوابة البرج. عند مجلس عزاء عبدالعزيز البسام. وعند المستشفى حين كانت الجوهرة البسام لا تريد أن ترى أحدًا. في كل مرة قيل لي إن راكان البسام غير متاح."
نظر إلى حصة، لا اتهامًا صريحًا، بل بحثًا مريرًا.
قالت حصة فورًا: "لا تنظر إليّ. لم أكن أدير بوابات حياتك."
قالت هيا: "لا. لكنك تديرين الآن الباب الذي سيغلق على الحقيقة."
قالت حصة: "أنا أحمي طرحًا من انهيار مبني على اتهام لم يُفحص."
قالت هيا: "والطرح يحمي ماذا؟ شركة؟ أم فهد البسام؟"
عند ذكر فهد البسام مرة أخرى، انحنى راكان على الطاولة بكلتا يديه. "لا تذكري فهد البسام كأنه شيطان في قصة أطفال. فهد البسام حمل الشركة بعد موت عبدالعزيز البسام."
قالت هيا: "وحمل معها ممحاة."
قال: "أنت لا تعرفين شيئًا عن تلك السنوات."
قالت: "أعرف نتيجتها. زوجة بلا طلاق. ابن بلا اعتراف. وقف بلا ملف. ومشغل عليه علامة هدم."
قال مروان بحذر: "راكان البسام، يجب أن نسجل تعليقًا مؤقتًا حتى يراجع المستشارون الوثائق."
قالت حصة: "إذا علقنا الآن، سنفقد نافذة الممر الحكومي. بسام الرشيد ينتظر اعتماد الطرح كشرط ثقة للمرحلة الثانية."
قال خالد: "بسام الرشيد لن يحميكم من إفصاح ناقص."
قالت حصة: "ولا الهيئة ستتحمل مسؤولية تعطيل طرح وطني بسبب دفتر تطريز."
قالت هيا: "دفتر التطريز هذا أكثر أمانة من نشرتكم."
قال راكان: "يكفي."
تردد صدى الكلمة في القاعة. لم تكن صرخة، لكنها كانت أمرًا من رجل اعتاد أن تنتهي الأشياء عندما يقول يكفي. غير أن هيا لم تتراجع.
قالت: "لا، يا راكان البسام. أنت قلت يكفي يوم صدقت أنني خرجت من حياتك بورقة ناقصة. قلت يكفي يوم تركت زياد بن راكان البسام يكبر في ظل اسمك من بعيد. قلت يكفي يوم صارت أرض نوال العتيبي فرصة عقارية. اليوم أنا أقول: ليس كافيًا."
قال: "ماذا تريدين؟"
كان السؤال عاريًا بما يكفي ليجعل القاعة كلها تتنفس بحذر.
قالت حصة فورًا: "لا تفاوض داخل اجتماع الإفصاح."
لكن راكان لم ينظر إليها. بقيت عيناه على هيا.
قال مرة أخرى، أبطأ: "ماذا تريدين؟"
قالت هيا: "أوقف الهدم."
قال: "حتى متى؟"
قالت: "حتى تقرأ محكمة الوقف الشرط."
قال: "وماذا أيضًا؟"
قالت: "تسحب إفصاح عدم وجود مخاطر عائلية وأرضية."
قالت حصة: "هذا انتحار مالي."
قالت هيا: "لا. الانتحار أن توقعوا كذبًا أمام خالد السبيعي."
قال راكان: "وماذا أيضًا؟"
سكتت لحظة. كان في حلقها شيء أصعب من الوقف والملفات.
قالت: "تعترف بوجود زياد بن راكان البسام."
انخفضت حرارة القاعة رغم أن الشمس صعدت أكثر في الخارج.
قالت حصة: "هذا طلب شخصي لا علاقة له—"
قال راكان: "حصة المطيري."
توقفت.
قال راكان لهيا: "هل هو بخير؟"
لم يكن السؤال الذي توقعته. ارتجف وجهها لجزء من الثانية، ثم عادت القسوة تحميها.
قالت: "لا يخصك السؤال وأنت لم تخصه بالحضور."
قال: "سألتك هل هو بخير."
قالت: "هو حي. ذكي. يسأل كثيرًا. يكره الكذب. وهذا أكثر مما أستطيع قوله عن بعض الرجال."
أغمض راكان عينيه لحظة. عندما فتحهما، كان فيهما غضب، لكن ليس كله عليها.
قال: "لماذا أخفيته؟"
قالت بحدة جارحة: "أخفيته؟ أنت تسألني لماذا أخفيته؟ لقد أرسلت إليك. حاولت الوصول. ثم جاءني رجال يلمحون أن حضوره سيؤذي مستقبله قبل أن يبدأ. جاءني صمتك مع ختم طلاق. ماذا كنت تريد؟ أن أضعه على عتبة برجك وأنتظر كاميرات الصحافة؟"
قالت عبير بهدوء: "هيا العتيبي حمت زياد بن راكان البسام ممن يملكون المال والملفات."
قال راكان: "وأنتِ كنتِ تعرفين؟"
قالت عبير: "كنت أعرف ما يكفي لأدفع فواتير المدرسة من حساب المشغل عندما يتأخر التحويل."
قالت حصة: "أي تحويل؟"
قالت عبير: "تحويلات تأتي من حساب وسيط كل ستة أشهر، باسم بند توريد خامات. توقفت عندما بدأ التفاوض على أرض المشغل."
تصلب راكان. "من صاحب الحساب؟"
قالت عبير: "هذا في الملف الأزرق."
مدت حصة يدها. "أعطينيه."
سحبت عبير الملف إلى صدرها. "ليس لك."
قالت حصة: "أنت داخل مقر شركة وتملكين مستندات قد تكون مسروقة."
قالت عبير: "وأنت داخل اجتماع وتحاولين تمرير إفصاح قد يكون مضللًا."
قال خالد: "كفى تبادلًا. راكان البسام، القرار الآن: توقيع، تعليق، أو تعديل إفصاح فوري."
نظر راكان إلى الشاشة. مروان كان يضغط أصابعه على صدغيه. خالد ثابت. وجوه المديرين الآخرين صامتة، خائفة من أن يُطلب منها رأي. كان كل شيء ينتظر حركة يده.
قالت حصة، بصوت منخفض موجه له وحده لكنه سُمع: "إذا علّقت، سيعرف السوق قبل التاسعة. غادة المنصور تتابع التأخير منذ أيام، وستشم الدم من أول تأخير. ياسر الدوسري ينتظر ثغرة كهذه منذ سنوات. لا تمنحهم إياها."
قالت هيا: "غريب. تخافون من الصحفية والمحامي أكثر من خوفكم من الحقيقة."
قال راكان: "كيف عرفتِ ياسر الدوسري؟"
قالت هيا: "لا أعرفه. لكنني أعرف أن كل عائلة تظلم بما يكفي تصنع أعداءها."
قالت حصة: "هذا تهديد آخر؟"
قالت هيا: "هذا وصف."
انحنى مروان نحو كاميرته. "راكان البسام، لا أستطيع أن أوصي بالتوقيع من دون مذكرة عاجلة. إن وقعتم الآن ثم ظهر أن هناك زواجًا قائمًا أو ابنًا أو وقفًا، فالمسألة لن تكون تأجيلًا. ستكون تضليلًا."
قالت حصة: "المذكرة يمكن أن تصدر خلال ساعة. نوقع مع تحفظ داخلي."
قال خالد: "لا يوجد شيء اسمه تحفظ داخلي على إفصاح عام."
قالت حصة: "خالد السبيعي، أنت تعرف أن السوق لا ينتظر—"
قال خالد: "السوق ينتظر الحقيقة أو يعاقب غيابها."
عاد راكان إلى كرسيه. جلس ببطء. أخذ القلم. وضع طرفه فوق السطر المخصص لتوقيعه. لم يكتب. كان الطرف يلمس الورق لمسة تكفي لتترك نقطة صغيرة من الحبر، نقطة سوداء يتيمة في بياض الصفحة.
رأت هيا النقطة، وشعرت بشيء يشبه الدوار. كل ما حدث في حياتها كان أحيانًا نقطة صغيرة على ورقة رجل آخر: إشعار ناقص، ختم مفقود، توقيع مؤجل، اسم طفل محذوف من سجل فخر. تقدمت حتى صارت عند الطاولة مباشرة.
قالت بصوت منخفض: "لا تفعلها."
قال من دون أن يرفع عينيه: "أنتِ جئتِ إلى هنا لتجبريني أمام الجميع."
قالت: "نعم."
رفع رأسه. "تعترفين؟"
قالت: "أعترف. لأنك لم تترك بابًا غير باب الفضيحة."
قال: "كنتِ تعرفين أنني لا أستطيع تحمل ضربة كهذه اليوم."
قالت: "وأنت كنت تعرف أنني لا أستطيع تحمل جرافة اليوم."
قال: "لو طلبتِ وقتًا—"
قالت: "طلبت عمرًا."
قالت حصة: "راكان البسام، لا تسمح لعاطفة قديمة أن تقرر عن حملة اكتتاب كاملة."
التفت إليها أخيرًا. "وأنتِ لا تسمحي لخوفك من فهد البسام أن يسمي نفسه امتثالًا."
اختنق وجه حصة بالإهانة، لكنها لم ترد فورًا.
قالت بعد لحظة: "أنا لا أخاف فهد البسام."
كان في الجملة شيء مدرّب أكثر مما هو صادق. تذكرت حصة في ومضة لا تريدها محضرًا أُعيدت صياغته فوق مكتبها قبل عامين، حين حُمّلت وحدها خطأ إفصاح صغيرًا عن شركة تابعة، بينما خرج فهد البسام من الغرفة كأن الورق لم يلمس يده. وتذكرت سعاد المطيري، أمها، وهي تُمحى من صور المناسبات العائلية لأن زواجها لم يكن مناسبًا لرواية آل البسام عن أنفسهم. لذلك كانت حصة تعرف معنى أن يكون الملف صحيحًا وغير مرحب به في الوقت نفسه.
قالت هيا بهدوء: "كل من يعرف مكان الملفات يخاف فهد البسام."
قالت حصة: "وأنتِ تعرفين؟"
قالت هيا: "أعرف أنه أخذ نسخة عقدي من نوال العتيبي. وأعرف أن ماجد الزهراني ترك علامة لأنه لم يستطع إيقافه. وأعرف أن هناك ظرفًا اختفى لأن رجلًا ما فهم أن الحقيقة، إذا وصلت كاملة، ستكسر أكثر من زواج."
لم تعد القاعة باردة.
قال راكان بحدة: "من قال لك هذا؟"
قالت هيا: "الأشخاص الذين ظن فهد البسام أنهم سيبقون خائفين."
قالت حصة: "هذه مؤامرة كاملة."
قالت عبير: "بل أرشيف كامل."
قال خالد: "راكان البسام، الوضع تجاوز سؤال التوقيع. هل تنفي وجود أي تحقيق داخلي في هذه النقاط؟"
قال راكان: "لم يكن لدي علم بهذه التفاصيل."
قال مروان: "هذا ليس نفيًا."
نظر راكان إلى هيا. "هل جاءتكِ هذه المعلومات من ياسر الدوسري؟"
قالت: "لا تجعل كل حقيقة مؤامرة رجل آخر. أنا هنا باسمي."
قال: "أنت لا تعرفين ما يفعله ياسر الدوسري بمن يفتح له بابًا."
قالت: "وأنت لا تعرف ما يفعله الصمت بمن يُحبس خلفه."
تبادلا النظر طويلًا. كان بينهما تاريخ لا يحتاج إلى شرح في القاعة، ومع ذلك كان الجميع يراه: في الطريقة التي يعرف بها كل منهما أين يضرب، وأين يتوقف قبل أن يسيل الدم.
قالت حصة فجأة: "سأدون في محضر الاجتماع أن شخصًا غير مخول دخل وقدم ادعاءات غير مثبتة، وأن المجلس قرر عدم تعطيل الاعتماد بسبب عدم كفاية الأدلة."
قال خالد: "إذا دوّنتِ ذلك، فسأدون اعتراض الجهة الرقابية على الاستمرار."
قال مروان: "وسأدون تحفظ المصرف الرئيسي."
تجمدت يد حصة فوق المجلد.
قال راكان بهدوء ميت: "لا أحد يدون شيئًا بعد."
قالت حصة: "لا يمكنك ترك الاجتماع معلقًا بلا محضر."
قال: "أستطيع ترك القلم معلقًا."
نظر إلى القلم في يده. ثم إلى الدفتر. ثم إلى هيا.
قال: "أعطيني الدفتر."
سحبت هيا الدفتر نحوها قليلًا. "لا."
اشتعل غضبه. "تقتحمين قاعتي، تعرضين صفحة أمام الهيئة والمصرفيين، ثم ترفضين تسليم الدليل؟"
قالت: "لأن كل شيء دخل أرشيفكم خرج ناقصًا."
قال: "أنا راكان البسام."
قالت: "وأنا هيا العتيبي. هذا لم يعد يخيفني."
قالت عبير: "يمكن تصوير الصفحات بحضور خالد السبيعي. لا يخرج الأصل من يد هيا العتيبي."
قالت حصة: "هذا عبث."
قال خالد: "بل إجراء حفظ أولي معقول."
قال مروان: "أوافق. نحتاج نسخة فورية للمستشارين."
قال راكان لهيا: "أنتِ تثقين بهم ولا تثقين بي؟"
قالت: "أنا وثقت بك مرة بلا نسخة."
لم يجد ردًا.
في الخارج، مرت سفينة بطيئة قرب الرصيف، وأطلقت صفارة بعيدة مكتومة عبر الزجاج. بدا الصوت كأنه تذكير بأن العالم لا ينتظر نزاعات العائلات، لكنه أيضًا لا يغفر لمن يبني فوقها دون أساس.
مدت هيا يدها إلى الدفتر، وأدارت الصفحة مرة أخرى نحو الشاشة. "هذه صفحة عقد الزواج. هذه علامة ماجد الزهراني. وهذا الهامش الذي يثبت أن إيصال الطلاق لم يصدر. وهذه دفعة من حساب عبدالعزيز البسام. وهذه زيارة فهد البسام. وهذه أرقام دفعات مرتبطة بالمشغل بعد التاريخ الذي تدّعون أن علاقتي انتهت فيه."
قالت حصة: "دفعات للمشغل لا تثبت الزواج."
قالت هيا: "لكنها تثبت أن العائلة استمرت تتعامل مع نوال العتيبي كحافظة وثيقة، لا كأم طُلقت ابنتها وانتهى الأمر. وتثبت أن من ادعى إغلاق الملف ظل يدفع لإبقائه صامتًا."
قال راكان: "هل طلبتِ مالًا اليوم؟"
نظرت إليه كما لو أنه صفعها. "لو أردت مالًا، لجئت قبل أن يصبح اسمك على الشاشات."
قال: "الناس يتغيرون."
قالت: "وأنت مثال مؤلم."
قالت حصة: "هيا العتيبي، أجيبي بوضوح: هل هدفك تعطيل الاكتتاب حتى تحصلي على تسوية؟"
قالت هيا: "القضية كلها تبدأ من إيصال واحد مفقود. هذا هو الأصل. دفتر نوال العتيبي وماجد الزهراني يدعمانه. أما التحويلات ومركبة التطوير وجدول الهدم فهي امتداد لما حدث بعده. هدفي الآن أن لا يوقع راكان البسام كذبة فوق ذلك الفراغ. التسوية الوحيدة الآن أن يتوقف الهدم، وأن يدخل اسم زياد بن راكان البسام في الملف الذي حُذف منه، وأن يُفتح ملف الوقف أمام القاضي ناصر الحميدان."
قال خالد: "القاضي ناصر الحميدان مختص بالوقف؟"
قالت هيا: "نعم."
قالت حصة: "هل لديك جلسة محددة؟"
قالت هيا: "إذا لم يختفِ الملف مرة أخرى."
قالت عبير: "وصالح العمري يعرف أن طلب إعادة القيد قُدم."
تمتم مروان: "يا إلهي."
لم تكن العبارة دعاءً بقدر ما كانت حساب خسارة.
وضع راكان القلم على الطاولة. لم يوقع. لكنه لم يعلن التعليق أيضًا. كان عالقًا بين فعلين، وكلاهما هزيمة من نوع ما.
قال بهدوء: "حصة المطيري، أخرجي بند عدم وجود مخاطر عائلية من صياغته المطلقة."
قالت حصة: "ماذا؟"
قال: "قلت أخرجيه من صياغته المطلقة."
قالت: "هذا يعني تعديل نشرة الإصدار."
قال: "إذن عدّلي."
قالت: "لن تكفي الساعة."
قال: "استدعي المستشارين."
قالت: "المستشارون على الشاشة ينتظرون توقيعك، لا ينتظرون قنبلة."
قال خالد: "التعديل أفضل من توقيع ناقص."
قال مروان: "سيكون علينا إخطار فرق الاكتتاب. وسيخرج أثره على التسعير فورًا."
قالت حصة لراكان، وصوتها يحمل رجاءً غاضبًا: "إذا فتحت هذا الباب الآن، لن تغلقه. فهد البسام لن يسكت. بسام الرشيد سيطلب تفسيرًا. غادة المنصور ستكتب أن عائلة البسام أخفت زوجة وابنًا ووقفًا. ياسر الدوسري سيبني دعوى جماعية قبل الغداء."
قال راكان: "ربما كان يجب أن يفتح الباب قبل اليوم."
قالت حصة: "لا تكن نبيلًا في اللحظة الأغلى."
قالت هيا: "النبل ليس أن يتأخر حتى يصبح مكلفًا."
نظر إليها راكان. "لا تظني أن هذا يعني أنني أصدق كل كلمة."
قالت: "لا أحتاج تصديقك. أحتاج ألا توقع عكسها."
قال: "وأحتاج أنا أن أعرف أين زياد بن راكان البسام."
تصلبت هيا. "ليس الآن."
قال: "أنا والده."
قالت: "على الورق الذي تحاول إنقاذه، لا."
قال: "وعلى الحقيقة؟"
سكتت. كان السؤال يدخل مكانًا لم تستعد له، مكانًا لا تريد أن تفتحه أمام حصة ولا خالد ولا مروان ولا كل الوجوه المعلبة في الشاشة.
قالت أخيرًا: "على الحقيقة، الأب لا يظهر وقت التوقيع."
قال بصوت خافت: "ربما يظهر وقت الانهيار."
قالت: "إذن تعلم أن الانهيار بدأ."
على الباب، ظهر الحارس مرة أخرى، مترددًا، ومعه جهاز اتصال يصدر صوتًا خافتًا. نظر إلى حصة ثم إلى راكان.
قالت حصة ببرود: "ليس الآن."
انسحب الحارس.
لكن صوتًا آخر دخل القاعة: إشعار من هاتف حصة. ثم آخر. ثم هاتف مروان على الشاشة. ثم هاتف أحد المديرين. موجة صغيرة من التنبيهات، مثل مطر إلكتروني قبل العاصفة.
خفضت حصة نظرها إلى الشاشة الصغيرة. شحب وجهها.
قال راكان: "ما الأمر؟"
لم تجب.
قال خالد: "وصلني تنبيه متابعة صحفية."
رفع مروان هاتفه قرب الكاميرا، ثم أنزله كأنه يحمله من حافة ساخنة. "هناك تسريب عن نزاع وقف مرتبط بطرح البسام."
قالت حصة من بين أسنانها: "غادة المنصور."
في مكتب صغير بعيد عن البرج، كانت غادة المنصور تنظر إلى الصورتين المتجاورتين: الأولى ضبابية من طرف الشارع، والثانية أقرب، وفي زاويتها شعار أصفر غير مكتمل على معدة الهدم. لم تكن تملك بعد قصة الزواج، ولا قصة زياد بن راكان البسام. كانت تملك خيطًا واحدًا: مدار الساحل للتطوير، أرض قديمة، وطرح يتأخر في صباح الإدراج. كتبت عنوانًا أوليًا، ثم حذفت نصفه، وأبقت عبارة واحدة: "نزاع وقف محتمل يلامس إفصاحات طرح البسام."
التفت راكان إلى هيا. "هل فعلتِ هذا؟"
قالت هيا بصدق قاسٍ: "لا."
قالت عبير: "نحن جئنا إلى هنا قبل أن نرسل أي شيء."
قالت حصة: "لكن أحدًا أرسل."
قال خالد: "وهذا يزيد الحاجة إلى عدم توقيع إفصاح محل نزاع."
قال راكان لهيا: "إذا لم تكوني أنتِ، فمن؟"
قالت: "ربما أحد ممن تعبوا من دفن الحقيقة في ملفاتكم."
قالت حصة: "أو ياسر الدوسري. قلت لك."
قال مروان: "ليس لدينا وقت لتخمين المصدر. لدينا سوق سيفتح، وهيئة تراقب، ومذكرة يجب أن تخرج."
عاد راكان إلى القلم. أمسكه، ثم تركه مرة أخرى. كان في الحركة اعتراف لا يريد قوله.
قال له خالد: "راكان البسام، هل ستصدق على الإفصاح كما هو؟"
لم يجب.
قال مروان: "نحتاج قرارًا مسجلًا."
قالت حصة: "راكان البسام، القرار الآن سيحدد كل شيء."
قالت هيا، بصوت هادئ لكنه وصل إلى آخر القاعة: "نعم. سيحدد كل شيء."
فتحت الدفتر على الصفحة المطرزة، ودفعتها إلى منتصف الطاولة. لم تعد تحميه بذراعها. جعلته في قلب المجلس، بين القلم ونشرة الإصدار، بين المال والذاكرة. ظهر رقم عقد الزواج واضحًا. وظهر مكان إيصال الطلاق الفارغ كحفرة صغيرة في الورق. وظهرت علامة ماجد الزهراني كعين شاهد لم تنم.
قال راكان: "هيا العتيبي—"
قاطعته: "لا. ليس بيني وبينك الآن إلا ما ستفعله يدك."
حدق فيها. للحظة، لم يكن مليارديرًا ولا رجل طرح ولا وريث منظومة ملفات. كان الرجل الذي عرفها قبل أن تصبح خصمته، والذي كان يدرك أن أكثر ما يخيفه ليس أن تكذب، بل أن تكون صادقة تمامًا.
قالت حصة بصوت مشدود: "إذا خرج هذا الدفتر من القاعة، سينتهي الطرح."
قالت هيا: "إذا وقع راكان البسام، سينتهي شيء أكبر."
قال خالد: "أحتاج العبارة النهائية."
رفع راكان القلم. ظل معلقًا فوق الصفحة. لم يكن يلامس الورق هذه المرة. كانت يده ثابتة، لكن عرقًا خفيفًا لمع عند مفصل الإبهام.
نظر إلى هيا. "أنتِ مستعدة لحرق كل شيء؟"
قالت: "أنا أحاول إنقاذ ما لم تحرقوه بعد."
قال: "حتى لو انقلب السوق؟"
قالت: "حتى لو انقلب البرج."
قالت حصة: "هذا ابتزاز."
مالت عبير نحو هيا، وهمست وهي تراقب يد راكان والقلم والصفحة المفتوحة: "الأصل ثلاثة: الدفتر، الشريط، الملف الأزرق. لا يخرج واحد منها وحده."
سمعتها هيا، ولم تُبعد عينيها عن راكان.
التفتت هيا إلى حصة، ثم إلى الشاشة، ثم إلى الوجوه حول الطاولة، وأخيرًا إلى راكان. كان صوتها صافيًا كحد نصل، لا يرتجف ولا يعتذر:
"صدّقوا الكذبة، وسأمشي بهذا الدفتر إلى هيئة السوق المالية قبل الظهر."