الساعة الثانية عشرة إلا ربعاً، بعد انتهاء اجتماع الاندماج بست ساعات. فتح فهد المريخي باب الجناح العلوي في برج العرب، ودخلت لينا الدوسري بخطوات هادئة على الرخام الذي امتص برودة الليل بعد يوم طويل من التكييف، جسدها لا يزال يحمل وضعية الوقوف المستقيم التي غادرت بها الغرفة الرئيسية في الاجتماع السابق، بدلتها الرمادية الداكنة لم تُخلع بعد. كانت الإضاءة خافتة، لكن الضوء الخارجي من نخيل جميرا كان يتحرك باستمرار: خيوط بيضاء وذهبية تنزلق على سطح الزجاج الممتد من الأرض إلى السقف مثل موجات بطيئة، تنكسر على كتفيها وتنتقل إلى خط فكها كلما تنفست، ثم تتلاشى وتعود من زاوية أخرى حين يتحرك النخيل في النسيم.
وقف فهد المريخي أمام النافذة. "قفي هنا، قرب الطاولة المنخفضة. فقط لنبدأ بهدوء." أشار إلى نقطة محددة على الرخام. لم يكن الأمر أمراً، بل توجيهاً واضحاً، ولينا الدوسري تعرف الفرق من طريقة صوته. خلعت حذاءها الكعب العالي ووضعته جانباً. كان الرخام يرسل موجة باردة تشبه انتشار الجليد تحت الجلد، تتسلل إلى العمود الفقري كأنها تذكير بأن كل خطوة محسوبة مثل بند في عقد لا يُكتب. القماش الرمادي الداكن لفستانها ارتفع وانخفض عند الخصر مع كل نفس، الطيات الصغيرة تتحرك كأنها تتنفس معها.
"أغمضي عينيكِ الآن." نفذت. سمع صوت تنفسها يتباطأ. "ارفعي ذراعيكِ ببطء حتى مستوى كتفيكِ، ثم اتركيهما ينزلان." فعلت ذلك مرتين، ثلاث مرات. في كل زفير، كانت اليقظة الأولى تتراجع قليلاً، لكن الشك السريع يعود: هل هذا الاختيار يفتح ثغرة؟ ثم يغطيه قرارها الواعي بأن الحدود لا تزال محكمة مثل شروط اللوجستيات التي لا تتسرب. في الزفير الرابع، انخفض كتفاها قليلاً، لكن التوتر لم يختفِ تماماً، بل تراكم كطبقة خفيفة تنتظر الطبقة التالية. كان صوت الـ AC المنخفض يدندن تحت صوت قلبها، بينما أصوات الأمواج البعيدة تتداخل من فتحة النافذة كإيقاع آخر يقيس الانتظار.
"قلي بصوت واضح: أنا هنا باختياري." "أنا هنا باختياري." جاء صوتها هادئاً، لكنه ثابت.
تقدم فهد المريخي خطوة واحدة. "افتحي عينيكِ، وانظري إليّ." فعلت. كانت عيناها تحملان ذلك اليقظة التي يعرفها من الاجتماعات، لكنها الآن موجهة إليه فقط. "اجلسي على حافة الأريكة، واتركي يديكِ على فخذيكِ، راحتين للأعلى." جلست. كان القماش الرمادي الداكن يلامس الجلد بصوت خفيف، طياته تنتفخ وتنكمش مع كل نفس عند الفخذين. "أخبريني بما تريدين أن تتركيه هنا، خارج كل شيء آخر."
فكرت للحظة. "اليقظة المستمرة. الاستعداد الدائم للرد على كل احتمال. مثل بند إعادة التفاوض الذي يبقى مفتوحاً حتى نهاية العقد." قال: "حسناً. سأطلب منكِ الآن أن تتنفسي ببطء أربع مرات، وفي كل مرة تخرجين فيها الزفير، تتخلين عن جزء من تلك اليقظة." نفذت. في الزفير الأول، اليقظة تتراجع لكن الشك يظهر ثم يُغطى بقرارها الواعي. في الثاني، طبقة الضعف تظهر للحظة قبل أن يحل محلها الثقة المحدودة. في الثالث، التوتر المتبقي من الجولة السابقة يجعل الزفير أثقل قليلاً. في الرابع، انخفض كتفاها، لكن الطبقة السابقة لا تزال تؤثر على الإحساس الحالي.
بعد دقائق، قالت لينا الدوسري فجأة: "هناك بند في مسودة الاندماج لم أذكره في الاجتماع. بند يسمح بإعادة التفاوض على شروط اللوجستيات إذا حدث تأخير في ميناء واحد لأكثر من أربعة أسابيع. يمكن استخدامه لصالحك إذا احتجت إلى تعزيز موقفك أمام الطرف الآخر." نظر إليها فهد المريخي طويلاً. "هذا يعمق ما بنيناه هنا." ردت: "هذا جزء من الاتفاق. أعطيك معلومة لا تؤثر على قراراتي المهنية، لكنها تعزز ما رسمناه."
انتقل التبادل إلى مرحلة أعمق. طلب منها أن تقف وتدور ببطء مرة واحدة، ثم تعود إلى الوقوف أمامه. كان كل توجيه يتبعه سؤال: "هل تريدين الاستمرار؟" وكانت تجيب "نعم" كل مرة. بعد كل إجابة، امتد الصمت ثلاث ثوانٍ، فيها صوت الأمواج البعيدة يعلو قليلاً ثم يخفت، والـ AC يغير تردده، والضوء على الزجاج يتحرك ببطء أكثر كأنه يقيس الانتظار. كان التوتر يتراكم من الاختيار المتكرر.
في الغرفة المجاورة على الطابق نفسه، كانت هناء الشهري تجلس أمام شاشتها. لاحظت غياب لينا الدوسري عن الاجتماع الافتراضي الذي كان من المفترض أن يبدأ قبل ساعة. فتحت ملف اللوجستيات وبدأت تكتب مقترحاً مضاداً يركز على زيادة الاعتماد على موانئ جدة بدلاً من التحويل إلى الإمارات، مع إضافة شرط يربط التكلفة بمدة الاندماج. كانت تكتب بسرعة، وتخطط لإرساله عند الفجر، قبل أن يستيقظ الفريق الآخر—مقترحها قد يصل إلى فهد المريخي ولينا الدوسري في منتصف ليلتهما إذا تم تفعيله مبكراً.
في غرفته في فندق قريب، جلس بدر المريخي أمام جهاز الكمبيوتر المحمول. كان قد فك تشفير التسجيل الصوتي. سمع الكلمتين بوضوح: "ميثاق الرمال" و"منتصف الليل". أصابعه اليمنى طرقت على الطاولة بإيقاع سريع وغير منتظم، مختلف تماماً عن حركة فهد المريخي المدروسة. ابتسم. أرسل رسالة نصية إلى فهد المريخي تحتوي على مقطع صوتي مقصوص، مع كلمات: "نلتقي قبل الفجر." الرسالة قد تُقرأ في أي لحظة، مما يهدد بقطع التبادل الحالي.
عاد فهد المريخي ولينا الدوسري إلى الوقوف أمام النافذة. كانت يداها لا تزالان مرتاحتين، وكان تنفسها منتظماً. قال: "التبادل الأول انتهى. الآن نعود إلى ما رسمناه." ردت: "نستمر كما اتفقنا." لم يتبادلا لمسة. كانت النظرة كافية لتأكيد أن الإطار لا يزال سليماً.
في الأسفل، كانت سيارة بدر المريخي تنتظر، والرسالة قد أُرسلت. كانت المدينة لا تزال مضيئة، والنخيل يعكس الأضواء على سطح الماء. كان الرخام يحتفظ ببرودته، والضوء يستمر في الانزلاق على الزجاج والجلد ببطء.